السبت، 7 يناير 2017

المنهج المقاصدي في التعامل مع الأخبار: (القرآن والمرويات)


قد يكون الخبر عن أمر محسوس، ويكون التحقق منه بالتجربة والمشاهدة.
وقد يكون الخبر عن أمر مسموع، وهو قسمان: مسموع حاضر ويتحقق منه بالرجوع إلى صاحبه ومصدره. ومسموع غائب، لا سبيل إلى الوصول إليه لغياب آلة الرجوع في الزمن، ولعدم تسجيل الخبر على وسيلة من كتاب أو فيديو أو صوت.

فكيف السبيل إلى التحقق من هكذا أخبار؟
بعد هذه المقدمة المنطقية نشرع في تفكيك منظومة الإسلام من كتاب أو مرويات، ويخرج عن تحليلنا غير المؤمنين بالإسلام جملةً ومنكرو المرويات بالكلّية.

ثبت أن القرآن الكريم قد دُوّن فور نزوله، وحفظه بعض الصحابة، وكثير من التابعين، ونُسخ في قراطيس وكتب، حتى وصل إلينا بطرق سمعية متصلة (تواتر لفظي). وبطرق حسية من خلال نسخ ومخطوطات قرآنية. وكلا الطريقين لا يتطرّق إليهما الشك. ووفق المنهج المقاصدي الذي يقرّ بعد استقراء ما تم الحصول عليه من مخطوطات قرآنية وتباين القراءات القرآنية فإن هذا الاختلاف من حيث الفروش من إفراد وجمع، أو تذكير وتأنيث، أو زيادة حرف ونقصانه، لا يؤثر في مقصد النص القرآني العام.

أما الأخبار والمرويات التي نُسبت إلى الرسول النبي عليه الصلاة والسلام، فهي مرويات تصف لنا فعله أو صفاته، أو تنقل إلينا قوله أو تقريره. فقد علمِها بعض الصحابة وغابت عن بعضهم، بل ربما توهّم بعضهم وغلط في الفهم، أو نسي عند النقل. ومن له دُربة يعلم مدى تعارض المرويات عند الجيل الأول واستدراك بعضهم على بعض.
وكل هذه المرويات في حينها كانت شفاهية غير مكتوبة، وقد حثّ الرسول النبي عليه الصلاة والسلام على تبليغ مقالته ودعا بنضارة الوجه لمن بلّغها، بشرط أن يروي كما سمع، ورُبّ مُبلّغ أوعى من سامع.

لكن عند مرحلة التدوين اتبع بعض أهل العلم منهج الأسانيد، وهو معيار ذاتي، ويختلف من عالم جرح وتعديل إلى آخر، فقد يكون الراوي مجروحًا بسبب مفسَّر عند عالم وعند عالم آخر هو ثقة.
كما اعتمدوا على تقوية المروية بكثرة عدد طرقها، فظهر لديهم (الآحاد، والعزيز والمشهور، والمستفيض، والمتواتر: اللفظي والمعنوي).
وكل ذلك معتمده الإسناد وعلم الرجال.

إن التواتر اللفظي لا يمكن لعاقل أن لا يقول بحُجيته إذا توفّر على شرط الضبط، بل العقل يحيل إلى وجوب الأخذ به، فهو حق مقطوع به، لا سيما إذا اقترن بمحسوس وتعدّد الأخبار، كما هو الحال في نقل القرآن، فهو محسوس مسطور في صحف وفي كتب، ومنقول بأكثر من طريق خبري، وهذا جدير بتصديقه والعمل بمقتضاه، لكن هذا لم يحصل مع المرويات القولية إذ لم تُدوّن لحظة الورود، بل نُقلت، وبعضها القليل جدًا نقل بطرق عديدة بذات الألفاظ وهو ما يُعرف بالمتواتر اللفظي. وهو قليل جدًا، وليس فيه ما يفيد العمل. أما التطبيقات الفعلية التي تواترت جيلاً بعد جيل، فإن التواتر العملي في الجزء المتفق عليه كفيل على القطع بصحتها طالما اقترنت بأصل قرآني ووافقت المقاصد والسنن القرآنية

أقرّت المعتزلة بحجية المتواتر وإفادته العلم، ولا يتناولوه بالتطبيق إلا في حدود استدلالهم على حجية الإجماع بعدد من المرويات التي تبلغ بمجموعها المتواتر المعنوي وهو مذهب أبي علي الجبائي ووافقه القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري.
لكنهم رفضوا إدخال العقائد في دائرة المتواتر المعنوي فهي في حكم الآحاد عندهم. من مثل (مرويات علو الله تعالى، ونزوله في الثلث الأخير من الليل) ووافقهم جمهور الأشاعرة على ذلك.
ومثل مرويات (رؤية الله تعالى في الآخرة، والشفاعة، والحوض، والصراط، وعذاب القبر). وخالفهم الأشاعرة في ذلك.

وحاصل القول عند المعتزلة أن العقائد لا تثبت إلا بالتواتر اللفظي وهو القرآن وحده. وأن المرويات المنسوبة إلى الرسول النبي عليه الصلاة والسلام لا مجال لها في الاستدلال على مسائل العقيدة. (ممتاز جدًا).
أما ما يخص المعجزات التي يرى أهل الحديث أنها متواترة معنويًا فإن جمهور المعتزلة يثبتونها في الجملة عن طريق التواتر المفيد للعلم الضروري ولكنها مع الأسف لا ترقى لأن تكون حجة يُستدل بها على غير المسلمين كما يقول القاضي عبد الجبار، فالمعوّل الوحيد إنما هو على العقل والقرآن. (سقطة عقلية) ذلك أن الخبر المتواتر المحلّى بالقرائن حجة تلزم كل عاقل، لا علاقة لها بمسلم أو غير مسلم.
ومن المفارقات أن بعضهم -أبا الهذيل العلاف- اشترط للتواتر أن يكون أحد الرواة من أهل بالجنة، وهو في رأيه أهل التوحيد والعدل. (تعصّب ممقوت)!!
وبعضهم - هشام الفوطي، وعباد بن سليمان- تطرّف حتى أنكر ما تواتر من أخبار، كإنكار أم يكون علي وطلحة والزبير جاؤوا لقتال يوم الجمل!!!
يجدر بي أن أشير إلى أن قضية تصنيف المسائل وإدخالها في العقيدة لا بد له من معيار موضوعي أيضًا، ولا يصحّ مثلاً إدخال فضائل الصحابة أو الإمامة أو المهدي في باب العقائد كما عند الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر". وغير ذلك كثير بحاجة إلى منشور بحيالها. (مهم جدًا).
أما الأشاعرة فلا خلاف بينهم في حجية الأحاديث المتواترة فهم متفقون على ثبوتها وحجيتها، لا أنهم لم يوافقوا أهل الحديث في اعتبار بعض المرويات داخلة في المتواتر كأحاديث نزوله تعالى في الثلث الأخير من الليل بل هي من دائرة الآحاد.

أما الخبر الذي لم يصل إلى التواتر (الآحاد) فقد نُظر إليه من حيث إفادته العلم إذا ورد عن راوٍ عدل ضابط، فكثير من الحنابلة وأهل الظاهر، وعند ابن حزم فإن الخبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام يوجب (العلم +العمل)!!
أما معتزلة فكثير منهم وكذا كثير من الأشاعرة يرون أن الخبر الواحد يفيد الظنّ مطلقًا. ذلك أن الراوي العدل قد وقع منه الخطأ والنسيان والسهو، وورد التعارض الحقيقي بين المرويات التي رواها العدل، وإن من شروط قبول الراوية سلامتها من المعارضة.
وبعض المعتزلة والأشاعرة يرى أن الخبر الواحد يفيد العلم إذا احتفّت به القرائن. كالنّظّام وأبي الحسين وأبي عبد الله البصريين والقاضي عبد الجبار. ومن الأشاعرة كابن فورك والإسفراييني وعبد القاهر البغدادي.

لكن كثيرًا من الأشاعرة وقع في سقطة علمية وهي إفادة مرويات الصحيحين (البخاري ومسلم) والتي اتفق المسلمون على صحتها العلم القطعي، كالإمام الإسفراييني، و
كثير من غير الأشاعرة كابن الصلاح وابن تيمية وتلاميذه!!


وقد تغيّر الموقف الاعتزالي على يد القاضي عبد الجبار ومدرسته المتأخرة، فاشترط لصحة الرواية أن يكون عزيزًا لا غريبًا، ووضع أبو القاسم البلخي شروطًا لقبول خبر الآحاد:
عدم مخالفته لكتاب الله، وسنة رسول الله، وإججماع الأمة، والعقل الذي جعله الله حجته على عباده. (وكل هذه ضوابط فضفاضة).
ولم تخلُ فرقة لا من أهل الحديث ولا من أهل الاعتزال ولا الأشاعرة من قبول روايات آحادية تمدح مذاهبهم.
فالقاضي عبد الجبار يستشهد بـ: "يكون في أمتى رجل يقال له واصل بن عطاء يفصل بين الحق والباطل، وفي رواية: "واصل، وما واصل، يصل الله به الدين". وفي ذم الخصوم: "لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًا".
وعند الأشاعرة يستشهد بـ: "إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله". وفي ذم المخالفين يشاركون أهل الاعتزال في مروية: "لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًا".

بعد هذا الاستعراض لا بدّ لنا من تجاوز كل هذه المعايير سواءً منهج الإسناد، من حيث العدالة والضبط، أو من حيث عدد المروية، فالمعيار هو عرض المروية على الأصل الثابت الذي وصلنا بالنقل المحسوس والمسموع، وهو القرآن الكريم، لكن عبر عرض المروية على مقاصد القرآن وسننه، لا على حروفه ونصوصه.






السبت، 19 نوفمبر 2016

القلب والفؤاد والصدر في القرآن الكريمك

القلب والفؤاد والصدر في القرآن الكريم:
أولاً: القلب:
1. القلب المختوم.
2. القلب المطبوع.
3. القلب المكنون.
4. القلب الغُلف.
5. القلب المريض.
6. القلب القاسي.
7. القلب المملوء بحب شيء.
8. تشابه القلوب.
9. تكسّب القلوب.
10. زيغ القلوب.
11. تأليف القلوب.
12. إلقاء الرعب في القلوب.
13. اطمئنان القلوب.
14. تمحيص القلوب.
15. امتحان القلوب.
16. ربط على القلوب.
17. الحسرة في القلوب.
18. إضمار ما في القلوب.
19. إيمان القلوب.
20. تطهير القلوب.
21. طهارة القلب.
22. القلوب الفقيهة.
23. القلوب العاقلة.
24. القلوب الوجلة.
25. القلوب الغائظة.
26. القلوب المؤلفة.
27. النفاق في القلوب.
28.  القلوب المرتابة.
29. تصريف القلوب.
30. التشديد على القلوب.
31. القلوب المستهزئة.
32. القلوب المنكرة.
33. القلوب اللاهية.
34. تقوى القلوب.
35. القلوب الخابتة.
36. القلوب المغمورة.
37. تقلب القلوب يوم القيامة.
38. اضطراب القلوب يوم القيامة.
39. اضطراب القلوب في الدنيا.
40. تعمّد القلوب.
41. التفزيع عن القلوب.
42. لين القلوب.
43. اشمئزاز القلوب.
44. القلوب المتدبّرة.
45. سكينة القلوب.
46. التزيين في القلب.
47. الحمية في القلب.
48. القلوب الكافرة.
49. الإيمان في القلوب.
50. خشوع القلوب.
51. رأفة القلوب.
52. غلّ القلوب.
53. القلوب المشتتة.
54.   صياغة القلوب.
55. القلوب الواجفة.
56. الران على القلوب.
 ثانيًا: الفــــؤاد:
1. تثبيت الفؤاد.
2. مسئولية الفؤاد.
3.      فراغ الفؤاد.
4.      كذب الفؤاد.
5. تقليب الأفئدة.
6.      صياغة الأفئدة.
7. هواية الفؤاد.
8. نعمة الفؤاد.
 ثالثًا: الصـــدور
1.     تمحيص ما في الصدور.
2. حصر الصدور.
3. إضمار ما في الصدور.
4.     انشراح الصدر.
5. ما يكبر في الصدور.
6. القلوب في الصدور.
7. حرج الصدر.
8. البينات في صدور (القرآن).
9. شفاء الصدور.
10.                 شفاء ما في الصدور.
11.                 ثني الصدور.
12. ضيق الصدر.
13.                 الرهبة في الصدور.
14.                 حاجة في الصدر.
15.                 الكِبر في الصدور.





مفهوم العبادة في القرآن الكريم:

بعد الجولة الاستقرائية لموارد جذر [عبد] في القرآن الكريم، وما تعلّق بها، من مفاهيم: الكفر، والشرك، والشكر، تبيّن لنا أن الخالق تعالى في معالجته لوضع الناس الذين انحرفوا عن مسار الانسجام من موازنة ومفاصلة بين الثنائيات، وأحدثوا الظلم والاضطهاد، في سبيل تحقيق غاياتهم. قد أرسل تعالى الرسل بمنهج علاجي يراعي المرحلية في سبيل التصدّي لهذا الانحراف والتعدّي، فرفضَ تسوية المخلوق بالخالق فضلاً عن تفضيل المخلوق على الخالق، أو إنكاره وجحوده، وقصد لهذا التأكيد على إعطاء كل ذي حقه حقّه، وهذا قمّة العدالة التي من أجلها أُرسلت الرسل وأنُزلت الكتب.
وقد سلك الخالق تعالى خطة في سبيل بيان منهجه من ذكر أسباب استحقاقه للعبادة، في مقابل عدم استحقاقها لغيره، في جدليته مع الوثنيين ومع أهل الكتاب فيما يخصّ المسيح عيسى عليه السلام، وتطرّق إلى مؤسسة الرق وعلاجها، أخيرًا قام القرآن الكريم على مبدأ الحرية مع تحمّل مسئولية الاختيار، وأرجى الحكم بين الناس إلى يوم القيامة.

ما الذي حصل في غياب قراءة استقرائية كلية؟
1-  التركيز على الشعائر والطقوس، علمًا بأنها مرحلة من مراحل المنهج، ووسيلة لتبيان مبدأ إعطاء كل ذي حق حقه.
2-  تخفيض صورة الخالق تعالى، وكأنه محتاج إلى صلاة أو حج أو شعائر. علمًا بأنه صرّح أنه غني عن العالمين.
3-  التركيز على الطقوس والشعائر أكثر بمراحل من القيّم والمقاصد الكلية وعلى رأسها العدل.
4-  تعجيل الحكم بين الناس إلى عالم الدنيا على خلاف القرآن الذي أرجاه إلى يوم القيامة.
5-  معظم الناس تخضع لسنن وقوانين الأشرار. حيث الاضطراب والفوضى والظلم.

بوركتم جميعًا

ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016



إشكاليات لاهوتية:
بقلم الدكتور: إياد محمد أبو ربيع

من أكبر الإشكاليات التي تواجه دارسي الفترة المبكرة للإسلام "النبوي" هي أن المصادر المكتوبة حول هذه الفترة قد اعتراها الآتي:
1.   كُتبت فيما بعد الحدث بزمن.
2.   تأثرها بالبيئة المذهبية.
3.   عدم إحاطة هذه المصادر بالأحداث.
4.   احتمال فقدان مصادر أخرى لم تصلنا أو ما زالت في أدراج المخطوطات.

فأنت ترى أن هذه المصادر يعتريها النقص أو التأثر بالمذهب أو كليهما معًا، وقد يُحتمل وجود مصادر أخرى لم تُقل إلينا أو ما زالت في رفوف المكتبات كمخطوطات.
بيْد أن هناك مصدرٌ واكب الأحداث ويكتسب مصداقية عظيمة وهو (القرآن الكريم). وهذا المصدر قد كُتب في زمن النبوة، كما تخبرنا المصادر اللاحقة عنه، فما زلنا نتعرّف على ما اكتنفه من خلال هذه المصادر. ولا ضمانة ولا مصداقية "كاملة" لهذه الأخبار حتى لو أعملنا منهج المحدثين من حيث صحّة الإسناد أو علم الرجال.
لكن ما تؤكّده المصادر أن كتابة المصحف كانت في زمن النبوة، على صعيدين الأول: تدوينات فردية يسجّلون كل ما نزل أو بعضه. والثاني: لجنة رسمية تُسجّل كل ما نزل.
 وتفيد المصادر اللاحقة أن هناك آيات وسور قد نُسخت وبعضها قد نُسّي من الذاكرة الجماعية!! وعليه يكون القرآن الذي نزل أكثر من القرآن الذي استقرّ وفق العرضة الأخيرة. وهي النسخة النهائية للقرآن الكريم.

إشكالية جديدة فيما يُعرَف بالعرٍْضَة الأخيرة:
اشتُهر بأن هذه العرْضة كانت في آخر رمضان من حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وتُطالعنا المصادر أنه التحق بالرفيق الأعلى في شهر ربيع الأول.
وهنا أتساءل: ألم ينزل من رمضان إلى ربيع الأول وبينهما ستة أشهر قرآن؟!!
وتساؤل آخر: مَن اطلع على هذه العرضة؟ حتى يُقال إن هذه العرْضة نسَخت ولغَت آيات أو حتى سور أو طرق أداء؟؟!!

إشكالية ثالثة: وهي ما يُعرف بالأحرف السبعة:
تُظهر المصادر أن الرسول النبي عليه الصلاة والسلام قد قرأ القرآن بعدة طرق أداء، والملاحظ أن هذه المصادر "الاستردادية" لم تُبيّن هذه الطرق، فقط أظهرت اسم الصحابييْن، واسم السورة، وعند دراسة أوجه القراءات لهذه السورة التي ذكرتها المصادر "الاستردادية" وجدتُ أن الاختلافات بسيطة خَلا لفظ واحد (وَنُزِّلَ) = (ونُنْزِلَ) قراءة ابن كثير المكي. ففيه زيادة حرف (نون).
كما أن الصحابييْن كلاهما من مكّة، أحدهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي استهجن القراءة من الصحابي المكي هشام بن حكيم رضي الله عنه الذي أسلم بعد الفتح!! أي لا داعي لهذا الحرف المغاير إذا علمنا أن الأحرف إنما نزلت تيسيرًا على الملسمين، فكلاهما من مكّة، لكن يحتمل برأيي أنه كان يؤم مجموعة من قبيلة عربية أخرى وقد تعلّم هذا الحرف من الرسول النبي عليه الصلاة والسلام دون أن يتعلّمه الفاروق عمر رضي الله عنه. (مع أن تبريري متكلَّفٌ كما ترى)!!

إشكالية رابعة: جمع المصحف العثماني:
تُنبؤنا المصادر أن الخليفة الصديق قد جمع المصحف بعد نصيحة من الفاروق عمر رضي الله عنه، وبقي هذا المصحف عند حفصة بنت الفاروق رضي الله عنها، ثم قام الخليفة عثمان رضي الله عنه بجمع القرآن في مصحف واحد بعد تشكيل لجنة قرشية على أن يكون لسان قريش هو الحكم عند الاختلاف. وتُسجّل المصادر اعتراض ابن مسعود رضي الله عنه ولم تذكر لنا تصريحًا برجوعه وموافقة الخليفة عثمان رضي الله عنه.
وعلى هذا نسَخ الخليفة عثمان مصاحف سبعة على حرف واحد كما تخبرنا المصادر الاستردادية، وجعل في بعض هذه النسخ وجوه القراءات إذا لم يكن بالإمكان رسمها!!
وأصبحت هذه النسخة العثمانية هي السائدة، كما أصبح فيما بعد لكل قُطر قراءة سائدة كما ثبّتها ابن مجاهد (324 هـ)، ففي مكة قراءة (ابن كثير)، مع الأخذ بعيْن الاعتبار وجود غيره من قرّاء مكّة. وفي المدينة قراءة (نافع)، وفي الكوفة ثلاثة قرّاء (عاصم والكسائي وحمزة)!! وفي البصرة قارئ واحد (أبي عمر بن العلاء) وفي الشام قارئ واحد (ابن عامر)!! على أن قراءة عاصم صارت هي الأشهر لانتقاله إلى بغداد عاصمة الخلافة، ثم قامت الدولة العثمانية بطباعة المصاحف وفقًا لقراءته. وليس صحيحًا تبرير هذا الانتشار بأن الله وضع لهذه الرواية القبول والإقبال، لأسباب نعلمها أو لا نعلمها!!
فإذا علمنا أن طرق أداء القرآن متباينة، ومختلفة من حيث التذكير والتأنيث، والإفراد والجمع، والإضافات والحذف، فإن الخليفة عثمان قلّل هذه القراءات، كما يرى الإمام الطبري (310 هـ) إذ عمل الخليفة على أخذ حرف واحد والعمل به، وترك ستة أحرف منعًا للاختلاف. وابن مجاهد (324 هـ) قلل وجوه القراءات إلى سبعة، علمًا أن المصادر التي سبقت ابن مجاهد والتي لحقته أضافت أكثر من سبع قرّاء. حتى غدوْنا نسمع عن القراءات العشرة، وأربع عشرة قراءة. وكل ما اتُصِف بالقراءات المتواترة فالتواتر فقط إلى القارئ لا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
وتطالعنا المصادر أن القرّاء اعتمدوا ضمن ما اعتمدوا عليه موافقة الرسم القرآني، وعلى هذا تنخرم قاعدة النقل والتلقي ثقة عن ثقة وإمامًا عن إمام إلى الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.
ومهما يكن حول هذه الإشكاليات فإن المصحف السائد في المشرق العربي الذي تطبعه السعودية وفق رواية حفص عن عاصم. وفي المغرب العربي الذي تطبعه ليبيا والمغرب وفق رواية ورش عن نافع. ورغم الفروقات بينهما فإنها قليلة، وقد قمتُ بعمل دراسة حولها، ووفق المنهج المقاصدي فليس أمامنا منهجية منضبطة لتحقيق أيّ المصاحف هو المعيار والأصل، بل يوَجّه المنهج المقاصدي اهتمامه بدلالة الألفاظ بقدر ما يدلّ على مقصد كلّي.