الخميس، 12 سبتمبر 2019

مقالات في التنوير المطلوب


مقالات في التنوير المطلوب 

 مندلسون: "تعليم الإنسان التدريب على استعمال العقل".
كانط: خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام العقل من دون أن يشوهه التعصب، ومن دون أن يُوجّهه الآخرون".
أقول إذا كان في كل واحد فينا نور بداخله، فإن التنوير:
."هو إطلاق هذا النور، وهو نور التساؤلات التي بداخل كل امرئ، والبدء في البحث عن إجابات من غير تردّد ولا وصاية الآخرين".

أهم مرتكزات التنوير:
* الجرأة على استعمال العقل. كانط.
* الابتعاد عن الخرافات. ديدرو.
* التسامح. فولتير.
* إصلاح المؤسسات السياسية. جان جاك رسو .
حين يغلب على شبابنا البناء الفكري والنقدي، والجرأة على محاكمة القضايا على قواطع العقل، ولا يرهبون في ذلك أيّ سلطة كانت، وحينما يسود المنطق السليم ونُظم التعليل، وتتراجع الخرافة والكرامة، على حدّ سواء، وحينما يسود التسامح واحترام التعدد والاختلاف، وحينما ينشد المجتمع العدالة ويعمل على تحقيقها بعيدًا عن المحسوبيات والفساد.
حينذاك ستكون أوضاعنا بخير.

يعالج التنوير مشكلات الوعي الإنساني، مهما كانت مهده ونشأته، أوروبيًا أو هنديًا أو عربيًا أو غير ذلك، لأن مشكلة الوعي مشكلة وجودية، قد تتسّع في مجتمعات، وقد تضيق في أخرى، إلا أنها ذات خصائص وجودية تعتري هذا الإنسان.
وإذا صدق هذا التوصيف على الإنسان الفرد، فإنه يصدق على الإنسان المجتمع.
فالتنوير الأوروبي عالج قضايا الإنسان- المجتمع وحرّره من الوصايا الثقيلة للعشيرة، وساقه إلى القوانين المدنية، ونظّم الأحزاب السياسية، لكنه لما حرّره من التعصب القَبَلي، أدخله إلى تعصّب حزبي، كما أنه طالب بالحريات الدينية، فكرّس التعصب الديني، فمشكلة التعصّب مشكلة "الإنسان"، وإن خفّت وتيرتها أو قلّ مجالها في بعض البلدان.
لكن تبقى مجتمعاتنا العربية هي الأكثر تعصّبًا للعشيرة وللعقيدة وللمذهب وللحزب وللوطن، وللذات الفردية!!
لا يمكن التخلّص من كل هذه المجالات، لكن يمكن التخفيف من حدّة التعصّب، عبر تربية شبابنا على ثقافة التنوع والاختلاف، وعلى احترام الآراء وأصحابها، وعلى ثقافة النقد البناء، وعلى ثقافة التحقيق، لا على ثقافة الأحادية والانغلاقية والتعصّب وكراهية المخالِف والدعوة إلى قتله، ولا على ثقافة التصيّد والاجتزائية، ولا على الذهنية الإسفنجية.
وهذه التربية تقوم على عاتق الأسر التنويرية، والجهاز التعليمي، ومنصّات الخطاب الإعلامي.

وكل خطاب أو جهاز تعليمي يقوم على تكريس التعصّب وكراهية الآخر فهو معوّق ذاتي قبل أن يكون خارجيًا.


مشاكل الإنسان من حيث هو إنسان هي واحدة، تتجه إلى نفسيته ووعيه وذهنيّته، وتختلف في الدرجة بين فرد وآخر، وبين مجتمع وآخر.
ساهمت الفلسفة والأديان في محاولة تخليص الإنسان/المجتمع من هذه المشاكل، لكن ما لبثت أن أدخلته في مشاكل أخرى، فهو في دوّامة إشكاليات.
بيْد أن الأديان التي تقوم على الخبر، وتقتضي الاعتقاد، تقدّم حلولاً تطمينية عزائية، يستجيب لها قطاع كبير من ذوي الطباع التي تميل إلى الدعة والراحة.
بينما العلوم التي تقوم على النظر وتقتضي الانتقاد، تقدّم منجزات وخدمات تحقق الراحة والرفاهية، إلا أنها نظرًا لسوء توظيفها تُدخل الإنسان والمجتمع إلى إشكالات جديدة، فتجعل منهم آلات ومحلّ استهلاك أو محل نهم وجشع واحتكار.
فالمشكلة كلها راجعة إلى هذا الإنسان إن في جانب العلوم حيث الجشع والرغبة في السيطرة، وإن في جانب الأديان حيث الكسل والرغبة في السيطرة والشعور بالأفضلية.

يناضل كثيرون في التفريق بين الوضع الأوروبي والوضع العربي، من حيث الصراع بين الدين والعلم، حيث يزعمون أن الإسلام لم يكن يومًا ضد العلوم. وأن طبيعة الأديان في أوروبة وطابعها الكنسي معدوم في الجانب العربي!
لكن عند النظر نجد أن طبقة المشايخ وأصحاب الخطاب الديني هم في مصافّ الكنيسة، إذ لديهم سلطة التحريض على المخالف، ولديهم تحالف مع الأنظمة القمعية,
كما أن الإسلام وإن كان ليس ضد العلوم، لكن المشايخ ضد علوم الفلسفة، ضد علوم النقد والمنطق وعلوم الاجتماع؛ لأن هذه العلوم تنقض الكثير مما قيل "إنه من الإسلام".
فأنت كما ترى أن الإنسان إن توسّل العلوم أو التجأ إلى الدين فإنه يبقى في معاناة أو مسبّبًا في معاناة غيره، بين وعْي وألم، أو بين وهْم وراحة. فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن؟!


مقصود حقيقة التنوير قائم على مبدأيْن: الضبط والحفظ:
أما الضبط فهو التقوى إذ يضمن له عدم الانصراف إلى الأنانية والجشع والتكبّر المفضي إلى الكراهية والعدوان.
أما الحفظ فهو التعقّل، إذ يحفظ الإنسان/المجتمع من التغوّل والانجراف دون الالتفات إلى العواقب، ويحفظه من الإقدام دون الفحص والتحقيق.

فلا تنوير إذا لم ينفّذ هذين المبدأيْن على أحسن وجه، وعلى سائر الشعوب، أما إذا كان التنوير على مبدإ دون آخر، فهو تزوير، وإذا كان على شعب دون آخر فهو تدمير.
فالأيقاظ لا تغرنّهم الشعارات. أيّدني الله وإيّاكم بروح منه.

إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع، عبر تحريره من الخوف من التفكير إلى الإنتاج والتعمير، من خلال العمل في مجالات الزراعة والصناعة، وإنشاء المدن الجديدة، واندماج مجتمعات تشترك في الولاء للدولة والقانون، كل هذا يساهم في عملية التنوير، إذ يصبح همّ الفرد/المجتمع التفكير في المستقبل، ويدعو إلى التنافس في الخيرات، ويحيّد الاستغلاق في الماضي، أو الجدال والكلام، ويخفف من التفكير الغيبي، إذ العمل يبدد الجدل، والشهادة تتبدّى على الغيب، والنظر المستقبلي يتغلّب على الحنين للماضي.

في مجتمعاتنا حيث الفساد الإداري والمحسوبيات إن على مستوى العشيرة أو التنظيم السياسي، ونسبة البطالة الكبيرة، ومستوى التعليم الإسفنجي غير الإبداعي، كل هذا مدعاة إلى مزيد من الظلمات، حيث يكثر الجدل، والكسل، والنظر الماضوي، ويتغلّب التفسير الغيبي لأحداث الحاضر، والنظر في المآلات والخطط الاستراتيجية شبه معدوم.

علينا الانتقال إلى مرحلة الإنسان الجديد، والمجتمع الجديد، في حدود قُطري كمرحلة إلى مرحلة أوسع في فضاء كوني إنساني أرحب. وهذا كفيل به الوعي الإنساني بشكل عام في كل الأقطار.

إقامة القسط أهم مطالب التنوير، والفساد في كل المجتمعات على نحو نسبي، ولكل مجال نسبته مقارنة بمجال آخر، ولن نجد مجتمعًا نقيًا من الفساد، إنما نجد مجتمعات أنظف من أخرى.
ولما كان الفساد -وهو ظلمات- لا يحب التنوير والمصلحين، فإن أهل الفساد بما يمتلكون من خبرات وسلطات، يستطيعون بقدر ما التهرب والتنصّل، بل يقلبون بإعلامهم فسادهم إلى إصلاح، يرمون بالفساد على المصلحين، لكن الحصيف لا تختلط عليه الأوراق.

الخطاب التنويري يجب أن ينصبّ على الفساد والمفسدين، لفنح باب العلاج لهم، واستئصال العنيدين منهم، لا سيّما إذا عمّ الفساد نواحي الحياة ومجالاتها الطبية والأمنية والتعليمية والقضائية والمالية والسياسية.
فإذا غابت العدالة عن المجتمعات فإن مظاهر العمران وأشكال التطوّر المدني ما هي إلا قصور من رمال، لا تصمد أمام التصدّعات الأخلاقية. خصوصًا إذا كان ربّ البيت طبّال، وأصحاب السلطة مفسدون. والتنويريون غافلون عن كل هذا.

يعمل التنوير على مراجعة المدارس الدينية وتقييمها بعرضها على قواطع العقليات، والمصالح العامة، ويستبعد كل الأطر والقواعد الكلامية والأصولية إلى أقل ما يمكن، بالأخص تلك التي ليس لها واقع ولا عائد نافع.

وكل من يشجع انتشار المدارس الكلامية أو حتى الفقهية التقليدية، فعمله هذا تقليد واتباع، ومشغلة عن المهم بما ليس بمهم.
والحمد لله كثير من الأصدقاء على أرض الواقع وعلى الفيسبوك أدركوا أهمية التنوير القائم على منهج صارم متماسك يعتمد المقاصد ويستند إليها. لكن ليست المقاصد المدرسية بل مقاصد ما بعد الشاطبي.

انتقل الاهتمام في عصر التنوير من النقاش والجدال حول طبيعة "الله" إلى البحث في طبيعة الإنسان من حيث دراسة العرقيات والانثروبولوجيا وغيرها مما يتعلق بالمجتمعات والأعراق.
نتج عن هذا التحوّل التشكيك بالله وبالأديان تبعًا، وتجلّى في الإنكار الكلي أو على الأقل مرحلة اللا أدرية. ومما نتج عن ذلك وهم الاصطفاء القائم على العرق بدل القائم على الدين.

وحري بنا نحن المسلمين أن نحوّل النظر والبحث في الله إلى البحث في الإنسان والطبيعة ، من غير إنكار للخالق. ووضع الدين في حدوده من غير أن يشتغل في كل المجالات، خلا المقاصد الكلية والقواعد العامة التي أيدها الدين فصارت أساسه.
ومن غير التوهم باصطفاء المسلمين لمجرد كونهم مسلمين ، بل الاصطفاء للمُثل والقيم العملية التي تصدر من الأقوام والتي هي "التقوى"، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا التحول في ميدان النظر والنظرة للذات وللآخر كفيلة بإخراج المسلمين إلى عصر التنوير. وأصول هذه التحوّلات نجدها في ثنايا القرآن المجيد.

النظر في الطبيعة وفي مقدمتها طبيعة الإنسان نفسيًا وذهنيًا وعرقيًا وفسيولوجيًا وأعصابًا. والغاية هي محاولة فهم النفس البشرية واعتلالاتها وما يختلجها، وفهم الباعث على السلوك، وفهم وظائف الأعضاء وكيفية معالجة الأمراض بأنواع الأدوية والعقاقير.
وقد قطعت الإنسانية شوطًا كبيرًا في هذا الميدان، بيْد أنها وقعت في مشكلتين أخلاقيتين وهما أخلاقيات المهنة الطبية واستغلال واستغفال كثير من الناس في معاملهم ومختبراتهم، وهذا ظلم كبير وإن نجم عنه تطور هائل. وأيضًا احتكار كثير من الأدوية والعقاقير.
وهذه التجاوزات حدثت لغياب مبدأ التكريم الإنساني بغض النظر عن عرقه أو لونه أو دينه.

أما على صعيد الطبيعة فإن النظر فيها ضرب أطنابًا عميقةً فيها، وبدأ الإنسان شيئًا فشيئًا أكثر فهمًا بل وتحكمًا، إلا أنه وقع في مشكلة أخلاقية وهي الاعتداء على الطبيعة والبيئة بنفاياته الصناعية حتى يكاد يهدد الوجود الإنساني، وهذه المشكلة ناجمة عن غياب مبدأ التسخير الذي يعني أننا مسئولون عن الطبيعة وأننا أمناء عليها. لا أننا متحكّمون بها وقاهرون لها.

النظر في الإنسان وفق مبدإ التكريم والنظر في الطبيعة وفق مبدإ التسخير وإعمال قاعدة العدل "الأمانة" في كل الميادين كفيلة في دخول عصر التنوير من غير آثار سلبية جانبية.

يولي التنوير للحرية اهتمامًا كبيرًا، ويعطي الفرد امتيازات وخيارات عديدة، تجعله يتخّفف من عبء أثقال المجتمع وتقاليده، وينزع إلى الفردانية، وقلّة الارتباط بالعائلة الكبيرة، بفعل ضغط الالتزامات، وهذه الحرية المفتوحة في حدّها الأعلى تصل إلى حدود عدم الاعتداء على الآخرين وفي مستواها الأدنى الباعث الأخلاقي.
في مجتمع الحريات تنشأ بعض المعتقدات والتصرفات التي توصف بأنها شاذة لكن لها اعتبار من الحقوق والحريات.
ونتيجة هذه الحريات وضغط العمل وتنافس الأفراد، تضعف روابط الأسرة الممتدة، وحتى التعاطف مع الضعفاء، لكن في ذات الوقت تنشئ الفرد عصاميًا صلبًا.
فأنت كما ترى حريات تتبعها مشكلات، نتيجة غياب الأخلاقيات، فالفرد وهو جزء من المجتمع يتآلف معه ويتحمّل مسئولية تجاهه من تفاعل وتكافل اجتماعي، وعلى رأسها برّ الوالدين، وصلة الأرحام، وينبغي إطلاق مبادرات شبابية ذات فاعلية. فيحصل التوازن في المجتمع بين الأفراد والجماعة .
إن تعزيز الأخلاق في الأفراد كفيل في ضبط حرياتهم وتنمية روح التكافل لديهم وإقامة التوازن في المجتمع، أكثر من صرامة القوانين وجمعيات رعاية المسنين والفقراء.

أقصى التنوير الأوروبي الدين والإله عن الحياة في أحد أنساقه، وخفف من سلطته في بعض الأنساق، إذ ليس التنوير الأوربي على نسق واحد، وتبعًا لهذا الإقصاء أو التخفّف غاب البُعد الأخروي في المنظور والقرارات، حيث الميدان الأول والأخير هو الدنيا، هو الحياة، هو استغلال الفرص، واغتنام الأوقات، واكتساب القوة والسلطة، وهذا "الحرث" الجيّد، تم استغلاله سياسيًا لتحقيق أكبر قدر من التفوق وتعميق الفجوة مع الآخر، ومن ثم السيطرة على خيرات العباد والبلاد بحجة استعمارهم.
إقصاء البعد الأخروي له دور في إضعاف الوازع الأخلاقي ويحمل الأنسان على الأنانية واستغلال الآخرين. ونجد تمثّلات هذا في واقعنا.
إن التنوير الحق يرى أن السعادة الدنيوية من أمان ورفاهية هي مقدمة للسعادة الأخروية. فالإقرار باليوم الآخر يُنمّي البعد الأخلاقي، ويُرجّي المظلومين في استعادة حقوقهم. والتنوير المطلوب هو التخفف من التدخّل الديني في المجال الدنيوي، ومزيد اهتمام بالعمران، مراكز العلوم والبحوث، والجامعات والمستشفيات، والمتنزهات، وتقليل عدد المساجد أو زخرفتها، وإدماج كليات الشريعة مع كليات أخرى.
فالإيمان بالبعد الأخروي مع تخفف التدخل الديني من شأنه أن يعزز البعد الأخلاقي، فلا يظلم ويتحكّم بالآخرين بقدر الإمكان، وفي ذات الوقت يدفع المجتمع نحو البناء والتكامل والازدهار.

الاثنين، 25 سبتمبر 2017

أسئلة تفتح أسئلة أعمق

يسعى الإنسان بدافع الفضول إلى التساؤل عن أشياء كثيرة، والتحليل النفسي لذلك هو محاولة الإنسان إثبات معرفته للأشياء -والأسرار- أمام أقرانه. فهو محاولة إثبات معرفة لمعلومة لغيره. أو توظيف هذه المعلومة لخدمة مآربه وقد يكون منها -فضح أسرار غيره-.
لكن هناك بعض التساؤلات المقلقة التي لا تعطي المرء رصيدًا معرفيًا يتفاخر به، ولا مجالاً لاستغلاله لتحقيق مآربه، بل هي تساؤلات في بطن تساؤلات لا تجد لها إجابات شافية. فهنا هذه المرة هو محتاج لمعرفة تشفي غليله، وتُريح قلقه.
- لماذا خُلقنا؟
يقدّم الدين وأسّه القرآن إجابات نصوصية صريحة:
1- "إلا ليعبدون".


وهنا يفتح تساؤل جديد:

- لماذا نعبد الله؟ هل هو محتاج لنا؟
- الجواب: بالتأكيد: لا، ليس محتاج لنا.
وهنا إذن لا بد أن مفهوم "العبادة" مخالف لما هو سائد.


2- "
ليبلوكم أيكم أحسن عملاً".


وهنا يفتح تساؤل جديد:
- هل الله لا يعلم أيّنا أحسن عملاً؟؟
- الجواب: بالتأكيد يعلم.
وهنا إذن لا بد أنه خلقنا لمقصد آخر.


والنتيجة حتى اللحظة أن الخالق ليس محتاجًا لنا، ولا هو جاهل بنا.
وإذا وقفنا على القراءة الحرفية فسيظهر لنا أن الخالق محتاج للمخلوقين، وأنه جاهل بهم وحاشاه.
وإذا نظرنا إلى القرآن نظرة معمّقة فإن الإجابة على التساؤل (لماذا خُلقنا؟) لن نجد إجابتها صريحة. بل سنستنبطها استنباطًا.


فخلق الإنسان إنما هو اختبار لطائفة من الملائكة ظنّت أنها حازت العلم الكلي، فرأت أن لا داعي لهذا المخلوق الجديد، وأنه سيُفسد ويسفك الدماء.

والملاحظ قرآنيًا صدق مقولة هذا النفر من الملائكة، فقد سُفك الدم مبكرًا (قصة ابني آدم).
لكن التعليل الآلهي هو (أنه يعلم ما لا تعلمون).
والنتيجة المسبقة والمعلن عنها: (أن أكثر الناس في هلاك). 
فهل كان النزاع بين علم الله وعلم ملائكته المقربين مرتبطًا
بأي الفريقين أعلم:
هلاك الكل (الملائكة)، أم بهلاك المعظم (الله)؟
الإنسان وفق النظرة القرآنية المصرّح بها (ليعبدون، ليبلوكم) يجعل من الإله ناقصًا حاشاه، ووفق النظرة الاستنباطية يجعله إلهًا متفردًا بالعلم.


حتى اللحظة لا يقدّم القرآن إجابة شافية لسؤال (لماذا خُلقنا؟)، بل يُفضّل كثيرون عدم التعمّق في هذا، ويقفون على الحرف والنص، وهو عبادة الله ويدخل في معناها وأساسها الطقوس، وفكرة الابتلاء. ويقرّرون عدم عبثية الخلق وهذا الأخير لا خلاف فيه.

عمق السؤال يتطلب عمقًا في الإجابة، والإجابة على تساؤل (لماذا خلقنا؟) يتطلب عمقًا معرفيًا، ونحن الإنسان للأسف ما زلنا نحبو على عتبات العلم. 
وسنعرف الإجابة الشافية حينما نمرّ في حياة عالم الآخرة. فليست الدنيا في قبال الآخرة إلا مرحلة طفولة في قبال حياة الرشد.


وهنا كما ترى نلجأ إلى رمي المسألة برمّتها إلى الأمام، ويبقى الإنسان الباحث والشغوف قلقًا، لكن ما يخفّف قلقه هو اعترافه بتواضع كبير أنه قليل علم، وأنه ما يزال يبحث وأمامه الكثير ليعرف ويعلم.


الخميس، 26 يناير 2017

هل دور الرسول النبي محصور في التبليغ؟

[البلاغ المبين]:
يدلّ الجذر (بلغ) على الوُصول إلى الشيء والانتهاء إليه، وأي رسالة تحمل معلومة ومقصدًا يُراد الوصول إليه، ينبغي أن واضحة، وأن تصل إلى المخاطَب بوضوحها. [بلاغ مبين].
ومن يتدبر جميع المواضع التي ورد فيها البلاغ سيجدها في سياق رفع مسئولية الحساب عن الرسول، فإذا تمّ التولي عنه أو تكذيبه أو الإعراض عن رسالته، فإن البلاغ هو الحد المطلوب من الرسول لا يكلف أكثر من هذا في إقناع غير المؤمنين. وليس عليه بعد ذلك حساب تقصير أو تفريط.

"قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ". النور: 54.
"الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ حَسِيبًا". الأحزاب: 39.
"وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ -محمّد- بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ". الرعد: 40.
وهذا الدور [التبليغ] هو أحد المهام التي على عاتق الرسول النبي محمّد عليه الصلاة والسلام لا الوحيد:
"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ". المائدة: 67.
"وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ". الأنعام: 19.
ولا يقال إن الآيات أمثال: (وما على الرسول إلا البلاغ) حصرت دور الرسول النبي عليه الصلاة والسلام بالتبليغ فقط، ذلك أن سياق أمثال هذه الآية إنما هو في رفع مسئولية الحساب على الرسول المبلّغ، لا على حصر دوره ومهامه، فمراعاة السياق مهم جدًا في فهم الدلالة.
ولا يقال أيضًا على سبيل المثال إن دوره عليه الصلاة والسلام يكمن في تبيين ما اختلف فيه الناس، بحجة قوله تعالى: "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ". النحل: 64. بل هي أحد المهام، التي تحقق مقصدًا قرآنيًا عظيمًا وهو القسط: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ". الحديد: 25.
مما سبق يظهر لنا أن دور الرسول النبي محمّد عليه الصلاة والسلام لم يكن محصورًا في تبليغ الوحي فقط، ولا تبيين ما اختلف فيه القوم، بل جاء حصر الرسل في دور التبيلغ في سياق رفع المسئولية عنهم بعد التلبيغ فلا حساب عليهم من تقصير أو تفريط.
بوركتم جميعًا

------------
التّولّي:
"فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّـهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ". آل عمران: 20.
"فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّـهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ". النحل: 82-83.
"وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ". المائدة: 92.
"وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ". التغابن: 12.
التكذيب:
"قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ". يس: 15-17.
"إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّـهِ أَوْثَـٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّـهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّـهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ". العنكبوت: 17-18.

"وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ؟". النحل: 35.
الإعراض:
"فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ". الشورى: 48.

في سياق الصبر والإنذار وهذا يكون في المعارضين والمعاندين من مكذبين ومعرضين:
"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ". الأحقاف: 35.
"هَـٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ". إبراهيم: 52.

"مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ". المائدة: 99.

التبليغ في الأصوليات من تأكيد للخالقية والواحدية وإثبات النبوة والقيَم الكبرى من عمل صالح يكون للمعاصرين للوحي ولمن بعدهم:
"قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّـهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ". الأنعام: 19.
"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ * إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغًا لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ". الأنبياء: 105-106.
ومن السنن أن الرسل عليهم السلام يُبلّغون رسالة الله تعالى:
نوح: "أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ". الأعراف: 62.
هود: "أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ". الأعراف: 68. "فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ" . هود: 57. "قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّـهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَـٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ". الأحقاف: 23.
صالح: "فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ". الأعراف: 79.
شعيب: "فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ". الأعراف: 93.
محمّد: "وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ". الرعد: 40.

المطلوب من أتباع الرسل عليهم السلام أن يبلّغوا رسالة الله وهي في زماننا المعاصر القرآن وما وافقه من سُنن ومقاصد، وبهذا التبليغ يؤدّي الإنسان مسئوليته ويبقى الحساب على ربّ العباد:
"الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ حَسِيبًا". الأحزاب: 39.


السبت، 7 يناير 2017

المنهج المقاصدي في التعامل مع الأخبار: (القرآن والمرويات)


قد يكون الخبر عن أمر محسوس، ويكون التحقق منه بالتجربة والمشاهدة.
وقد يكون الخبر عن أمر مسموع، وهو قسمان: مسموع حاضر ويتحقق منه بالرجوع إلى صاحبه ومصدره. ومسموع غائب، لا سبيل إلى الوصول إليه لغياب آلة الرجوع في الزمن، ولعدم تسجيل الخبر على وسيلة من كتاب أو فيديو أو صوت.

فكيف السبيل إلى التحقق من هكذا أخبار؟
بعد هذه المقدمة المنطقية نشرع في تفكيك منظومة الإسلام من كتاب أو مرويات، ويخرج عن تحليلنا غير المؤمنين بالإسلام جملةً ومنكرو المرويات بالكلّية.

ثبت أن القرآن الكريم قد دُوّن فور نزوله، وحفظه بعض الصحابة، وكثير من التابعين، ونُسخ في قراطيس وكتب، حتى وصل إلينا بطرق سمعية متصلة (تواتر لفظي). وبطرق حسية من خلال نسخ ومخطوطات قرآنية. وكلا الطريقين لا يتطرّق إليهما الشك. ووفق المنهج المقاصدي الذي يقرّ بعد استقراء ما تم الحصول عليه من مخطوطات قرآنية وتباين القراءات القرآنية فإن هذا الاختلاف من حيث الفروش من إفراد وجمع، أو تذكير وتأنيث، أو زيادة حرف ونقصانه، لا يؤثر في مقصد النص القرآني العام.

أما الأخبار والمرويات التي نُسبت إلى الرسول النبي عليه الصلاة والسلام، فهي مرويات تصف لنا فعله أو صفاته، أو تنقل إلينا قوله أو تقريره. فقد علمِها بعض الصحابة وغابت عن بعضهم، بل ربما توهّم بعضهم وغلط في الفهم، أو نسي عند النقل. ومن له دُربة يعلم مدى تعارض المرويات عند الجيل الأول واستدراك بعضهم على بعض.
وكل هذه المرويات في حينها كانت شفاهية غير مكتوبة، وقد حثّ الرسول النبي عليه الصلاة والسلام على تبليغ مقالته ودعا بنضارة الوجه لمن بلّغها، بشرط أن يروي كما سمع، ورُبّ مُبلّغ أوعى من سامع.

لكن عند مرحلة التدوين اتبع بعض أهل العلم منهج الأسانيد، وهو معيار ذاتي، ويختلف من عالم جرح وتعديل إلى آخر، فقد يكون الراوي مجروحًا بسبب مفسَّر عند عالم وعند عالم آخر هو ثقة.
كما اعتمدوا على تقوية المروية بكثرة عدد طرقها، فظهر لديهم (الآحاد، والعزيز والمشهور، والمستفيض، والمتواتر: اللفظي والمعنوي).
وكل ذلك معتمده الإسناد وعلم الرجال.

إن التواتر اللفظي لا يمكن لعاقل أن لا يقول بحُجيته إذا توفّر على شرط الضبط، بل العقل يحيل إلى وجوب الأخذ به، فهو حق مقطوع به، لا سيما إذا اقترن بمحسوس وتعدّد الأخبار، كما هو الحال في نقل القرآن، فهو محسوس مسطور في صحف وفي كتب، ومنقول بأكثر من طريق خبري، وهذا جدير بتصديقه والعمل بمقتضاه، لكن هذا لم يحصل مع المرويات القولية إذ لم تُدوّن لحظة الورود، بل نُقلت، وبعضها القليل جدًا نقل بطرق عديدة بذات الألفاظ وهو ما يُعرف بالمتواتر اللفظي. وهو قليل جدًا، وليس فيه ما يفيد العمل. أما التطبيقات الفعلية التي تواترت جيلاً بعد جيل، فإن التواتر العملي في الجزء المتفق عليه كفيل على القطع بصحتها طالما اقترنت بأصل قرآني ووافقت المقاصد والسنن القرآنية

أقرّت المعتزلة بحجية المتواتر وإفادته العلم، ولا يتناولوه بالتطبيق إلا في حدود استدلالهم على حجية الإجماع بعدد من المرويات التي تبلغ بمجموعها المتواتر المعنوي وهو مذهب أبي علي الجبائي ووافقه القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري.
لكنهم رفضوا إدخال العقائد في دائرة المتواتر المعنوي فهي في حكم الآحاد عندهم. من مثل (مرويات علو الله تعالى، ونزوله في الثلث الأخير من الليل) ووافقهم جمهور الأشاعرة على ذلك.
ومثل مرويات (رؤية الله تعالى في الآخرة، والشفاعة، والحوض، والصراط، وعذاب القبر). وخالفهم الأشاعرة في ذلك.

وحاصل القول عند المعتزلة أن العقائد لا تثبت إلا بالتواتر اللفظي وهو القرآن وحده. وأن المرويات المنسوبة إلى الرسول النبي عليه الصلاة والسلام لا مجال لها في الاستدلال على مسائل العقيدة. (ممتاز جدًا).
أما ما يخص المعجزات التي يرى أهل الحديث أنها متواترة معنويًا فإن جمهور المعتزلة يثبتونها في الجملة عن طريق التواتر المفيد للعلم الضروري ولكنها مع الأسف لا ترقى لأن تكون حجة يُستدل بها على غير المسلمين كما يقول القاضي عبد الجبار، فالمعوّل الوحيد إنما هو على العقل والقرآن. (سقطة عقلية) ذلك أن الخبر المتواتر المحلّى بالقرائن حجة تلزم كل عاقل، لا علاقة لها بمسلم أو غير مسلم.
ومن المفارقات أن بعضهم -أبا الهذيل العلاف- اشترط للتواتر أن يكون أحد الرواة من أهل بالجنة، وهو في رأيه أهل التوحيد والعدل. (تعصّب ممقوت)!!
وبعضهم - هشام الفوطي، وعباد بن سليمان- تطرّف حتى أنكر ما تواتر من أخبار، كإنكار أم يكون علي وطلحة والزبير جاؤوا لقتال يوم الجمل!!!
يجدر بي أن أشير إلى أن قضية تصنيف المسائل وإدخالها في العقيدة لا بد له من معيار موضوعي أيضًا، ولا يصحّ مثلاً إدخال فضائل الصحابة أو الإمامة أو المهدي في باب العقائد كما عند الكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر". وغير ذلك كثير بحاجة إلى منشور بحيالها. (مهم جدًا).
أما الأشاعرة فلا خلاف بينهم في حجية الأحاديث المتواترة فهم متفقون على ثبوتها وحجيتها، لا أنهم لم يوافقوا أهل الحديث في اعتبار بعض المرويات داخلة في المتواتر كأحاديث نزوله تعالى في الثلث الأخير من الليل بل هي من دائرة الآحاد.

أما الخبر الذي لم يصل إلى التواتر (الآحاد) فقد نُظر إليه من حيث إفادته العلم إذا ورد عن راوٍ عدل ضابط، فكثير من الحنابلة وأهل الظاهر، وعند ابن حزم فإن الخبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام يوجب (العلم +العمل)!!
أما معتزلة فكثير منهم وكذا كثير من الأشاعرة يرون أن الخبر الواحد يفيد الظنّ مطلقًا. ذلك أن الراوي العدل قد وقع منه الخطأ والنسيان والسهو، وورد التعارض الحقيقي بين المرويات التي رواها العدل، وإن من شروط قبول الراوية سلامتها من المعارضة.
وبعض المعتزلة والأشاعرة يرى أن الخبر الواحد يفيد العلم إذا احتفّت به القرائن. كالنّظّام وأبي الحسين وأبي عبد الله البصريين والقاضي عبد الجبار. ومن الأشاعرة كابن فورك والإسفراييني وعبد القاهر البغدادي.

لكن كثيرًا من الأشاعرة وقع في سقطة علمية وهي إفادة مرويات الصحيحين (البخاري ومسلم) والتي اتفق المسلمون على صحتها العلم القطعي، كالإمام الإسفراييني، و
كثير من غير الأشاعرة كابن الصلاح وابن تيمية وتلاميذه!!


وقد تغيّر الموقف الاعتزالي على يد القاضي عبد الجبار ومدرسته المتأخرة، فاشترط لصحة الرواية أن يكون عزيزًا لا غريبًا، ووضع أبو القاسم البلخي شروطًا لقبول خبر الآحاد:
عدم مخالفته لكتاب الله، وسنة رسول الله، وإججماع الأمة، والعقل الذي جعله الله حجته على عباده. (وكل هذه ضوابط فضفاضة).
ولم تخلُ فرقة لا من أهل الحديث ولا من أهل الاعتزال ولا الأشاعرة من قبول روايات آحادية تمدح مذاهبهم.
فالقاضي عبد الجبار يستشهد بـ: "يكون في أمتى رجل يقال له واصل بن عطاء يفصل بين الحق والباطل، وفي رواية: "واصل، وما واصل، يصل الله به الدين". وفي ذم الخصوم: "لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًا".
وعند الأشاعرة يستشهد بـ: "إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله". وفي ذم المخالفين يشاركون أهل الاعتزال في مروية: "لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًا".

بعد هذا الاستعراض لا بدّ لنا من تجاوز كل هذه المعايير سواءً منهج الإسناد، من حيث العدالة والضبط، أو من حيث عدد المروية، فالمعيار هو عرض المروية على الأصل الثابت الذي وصلنا بالنقل المحسوس والمسموع، وهو القرآن الكريم، لكن عبر عرض المروية على مقاصد القرآن وسننه، لا على حروفه ونصوصه.






السبت، 19 نوفمبر 2016

القلب والفؤاد والصدر في القرآن الكريمك

القلب والفؤاد والصدر في القرآن الكريم:
أولاً: القلب:
1. القلب المختوم.
2. القلب المطبوع.
3. القلب المكنون.
4. القلب الغُلف.
5. القلب المريض.
6. القلب القاسي.
7. القلب المملوء بحب شيء.
8. تشابه القلوب.
9. تكسّب القلوب.
10. زيغ القلوب.
11. تأليف القلوب.
12. إلقاء الرعب في القلوب.
13. اطمئنان القلوب.
14. تمحيص القلوب.
15. امتحان القلوب.
16. ربط على القلوب.
17. الحسرة في القلوب.
18. إضمار ما في القلوب.
19. إيمان القلوب.
20. تطهير القلوب.
21. طهارة القلب.
22. القلوب الفقيهة.
23. القلوب العاقلة.
24. القلوب الوجلة.
25. القلوب الغائظة.
26. القلوب المؤلفة.
27. النفاق في القلوب.
28.  القلوب المرتابة.
29. تصريف القلوب.
30. التشديد على القلوب.
31. القلوب المستهزئة.
32. القلوب المنكرة.
33. القلوب اللاهية.
34. تقوى القلوب.
35. القلوب الخابتة.
36. القلوب المغمورة.
37. تقلب القلوب يوم القيامة.
38. اضطراب القلوب يوم القيامة.
39. اضطراب القلوب في الدنيا.
40. تعمّد القلوب.
41. التفزيع عن القلوب.
42. لين القلوب.
43. اشمئزاز القلوب.
44. القلوب المتدبّرة.
45. سكينة القلوب.
46. التزيين في القلب.
47. الحمية في القلب.
48. القلوب الكافرة.
49. الإيمان في القلوب.
50. خشوع القلوب.
51. رأفة القلوب.
52. غلّ القلوب.
53. القلوب المشتتة.
54.   صياغة القلوب.
55. القلوب الواجفة.
56. الران على القلوب.
 ثانيًا: الفــــؤاد:
1. تثبيت الفؤاد.
2. مسئولية الفؤاد.
3.      فراغ الفؤاد.
4.      كذب الفؤاد.
5. تقليب الأفئدة.
6.      صياغة الأفئدة.
7. هواية الفؤاد.
8. نعمة الفؤاد.
 ثالثًا: الصـــدور
1.     تمحيص ما في الصدور.
2. حصر الصدور.
3. إضمار ما في الصدور.
4.     انشراح الصدر.
5. ما يكبر في الصدور.
6. القلوب في الصدور.
7. حرج الصدر.
8. البينات في صدور (القرآن).
9. شفاء الصدور.
10.                 شفاء ما في الصدور.
11.                 ثني الصدور.
12. ضيق الصدر.
13.                 الرهبة في الصدور.
14.                 حاجة في الصدر.
15.                 الكِبر في الصدور.