الثلاثاء، 8 مارس 2016

دراسة حول مركّب كل شيء في القرآن الكريم

مركّب [كل شيء]

      ورد هذا المركب في القرآن الكريم وهو لا يفيد الاستغراق والعموم في
كل موضع، بل السياق هو الحكم فيما إذا كان يفيد العموم أو الخصوص.

أولاً: مركّب [بكلّ شيء] وهو يفيد الاستغراق، وفي كل المواضع تعلّق هذا المركّب بالخالق تعالى من حيث العلم والإحاطة والإبصار. والمواضع عددها (25) هي كالآتي:
“بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”: البقرة: 29،231،282، النساء:
176، المائدة: 97، الأنعام: 101، الأنفال: 75، التوبة: 115، النور: 35، 64،
العنكبوت: 62، الشورى: 12، الحجرات: 16، الحديد: 3، المجادلة: 7، التغابن: 11،
“بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”. النساء: 32، الأحزاب: 40،
54، الفتح: 26.
“بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ”. الأنبياء: 81.
“بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا”. الطلاق: 12.
“بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ”. فصلت: 54.
“بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا”. النساء: 126.
“بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ”. الملك: 19.

ثانيًا: مركّب [لكلّ شيء] وقد ورد في (4) مواضع أفاد الاستغراق في موضع واحد وهو أن الخالق تعالى جعل لكل شيء قدَرًا في قوله: “وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا”. الطلاق: ٣.
وباقي المواضع الثلاثة فهي لا تفيد الاستغراق وهي كالآتي:
قوله تعالى:
“ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي
أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ
رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ”. الأنعام: ١٥٤.
“وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ
مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ”. الأعراف: ١٤٥.
“وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم
مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ
لِلْمُسْلِمِينَ”. النحل: ٨٩.
      فكتاب موسى عليه السلام وألواحه ليس فيها تفصيل كل شيء، بل فيه
تفاصيل تفيد قومه وزمنه، وكذلك الكتاب/القرآن الكريم ليس فيه تبيان كل شيء،
فالقرآن الكريم جاء على ذكر بعض قصص النبيين، وسكت عن بعض، وقد توسّع في ذكر
تفاصيل لبعض القصص قال تعالى: ” وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن
قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَىٰ
تَكْلِيمًا”. النساء: 164، وبعضها اكتفى بذكر النبي (اليسع، ذو الكفل) وبعضهم
أعطى القليل من التفصيل (إلياس، إدريس)، وهذا يكفي للقول بأن القرآن الكريم ليس
تفصيلاً لكل شيء. كما أنه مثلاً فصّل في صلاة الخوف دون الصلوات المكتوبة (النساء:
102-103)، ولم يأتِ على ذكر صلاة الجنازة أو الكسوف أو الاستسقاء. وفي المقابل
فصّل كثيرًا في إباحة الأكل عند الأقرباء (النور: 61).
      فيكون القرآن تبيان لكل شيء بمعنى تبيان لما ينبغي تبيانه، وهذا لا
يعني أنه يشمل تفاصيل الحياة والموجودات، بل فيه أصول وقواعد منهج التعامل مع
الإنسان والكون.


ثالثًا مركّب:
 [كلّ شيء] ووردت في مواضع (85)، المتعلّق منها في الخالق تعالى في (73) موضعًا، من حيث القدرة *، والشهادة، والحساب، والميقات، والإحصاء، والرقابة، الحفاظة، والوكالة، والعلم، والملك، والإتقان، والحُسن، والإنطاق، والخالقية، والربوبية، والهلاك، والرحمة. وهي كالآتي:
“كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”. البقرة: 20، 106، 109، 148،
259، 284، آل عمران: 26، 165، 189، المائدة: 17، 19، 40، 120، الأنعام: 17،
الأنفال: 41، التوبة: 39، هود: 4، النحل: 77، الحج: 6، النور: 45، العنكبوت: 20،
الروم: 50، فاطر: 1، فصلت: 39، الشورى: 9، الأحقاف: 33، الحديد: 2، الحشر: 6،
التغابن: 1، الطلاق: 12، التحريم: 8، الملك: 1.
“عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا”. الكهف: 45.
“عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا”. الأحزاب: 27، الفتح:
21.
“كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”. المائدة: 117، الحج: 17، سبأ:
47، فصلت:53، المجادلة: 6، البروج:9.
“كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا”. النساء: 33، الأحزاب: 55.
“كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا”. النساء: 85.
“كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا”. النساء: 86.
“أَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا”.الجن: 28.
“كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا”. الأحزاب: 52.
“عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ”. هود: 57، سبأ: 21.
“عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ”. الأنعام: 102، هود: 12،
الزمر: 62.
“كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا”. الأنعام: 80، الأعراف: 89،
طه:98.
“مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ”. المؤمنون: 88، يس: 83.
“وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ”. النمل:91.
“الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ”. النمل: 88.
“أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ”. السجدة: 7.
“أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ “. فصلت: 21.
“كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ”. القصص:88.
“خَلَقَ كُلَّ شَيْء”. الأنعام: 101، الفرقان: 2.
“خَالِقُ كُلِّ شَيْء”. الأنعام: 102، الرعد: 16، الزمر:
62، غافر: 62.
“كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”. القمر: 49.
“أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ”. طه: 50.
“رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ”. الأنعام: 164.
“وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ”. الأعراف: 156.
“وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا”. غافر:7.
أما فيما يتعلّق بغير الخالق تعالى في (3) مواضع فهي فيما يتعلّق
بالإنبات، والميزان، وذي القرنين كالآتي:
“هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا
بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ”. الأنعام: 99.
“وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ”. الحجر:
19.
“وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا”.الكهف: 84.


وكل ما سبق يفيد الاستغراق لكن ينبغي التأكيد على أن ما يتعلق
بقدرة الخالق تعالى، متوقفة على سُننه، فلا يحقّ التناقض في حقه تعالى.


وباقي المواضع وهي (9) فلا تفيد الاستغراق والعموم وهي كالآتي:
“فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم
بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ”. الأنعام: 44.
فلم يُفتح عليهم إلا ما كان في زمانهم وفي بيئتهم.
“وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ
مَّوْعِظَةً “. الأعراف: 145.
سبق الكلام عن هذا.
“وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”.
الأنبياء: 30.
وهذا على الغالب لا على الاستغراق فهناك كائنات دقيقة لا تعيش على
الماء.
“وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ
الْمُبِينُ”.النمل: 16.
فسليمان عليه السلام لم يؤتَ كل شيء إلا ما يناسب زمانه وبيئته.
” وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ
عَظِيمٌ”. النمل: 23.
ملكة سبأ التي عاصرت سليمان عليه السلام لكنها لم تؤتَ كما أوتي
هو، فما أوتيتْهُ يخص بيئتها لا زمانها.
“يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن
لَّدُنَّا”. القصص:57.
ليس كل الثمرات تُجبى إلى مكّة. بل ثمرات بيئتهم.
“تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ”. الأحقاف: 25.
الآية دلّت على أنها ليست شاملة فلم تدمّر مساكنهم.
“وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ”. الذاريات:
49.
وهذا على الغالب، فهناك كائنات دقيقة لا زوجية.
“لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي
الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ
يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”.
يوسف: 111.
القصص القرآني لا يأتي على ذكر كل التفاصيل، بل التفاصيل التي تهمّ
المتلقّي والمخاطَب.


رابعًا: مركّب
 [وكلّ شيء] وقد ورد في (5) مواضع، فيما يتعلق بالخالق تعالى (3) من حيث التقدير، والإحصاء، والتفصيل، كالآتي:
“كُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ”. الرعد: 8.
“وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ”.
يس: 12.
“وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا”. النبأ: 29.
وهذه الآيات تفيد الاستغراق والشمول.


“وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا”. الإسراء:
12.في سياق: “وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ 
ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ
السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا”. الإسراء:
12 فالتفصيل هنا في علم الحساب الزمني الذي يفيد الناس، لا تفصيل كل العلوم.
وفيما يتعلّق بالمخلوق (1) موضع كالآتي:
“وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ”. القمر: 52.

      
أخيرًا، فإن مركّب [كل شيء] لا يفيد بالضرورة الاستغراق والعموم،
بل السياق هو الحكم، بقي قضية أخيرة وهي مسألة [خلق الله]، و[خلق القرآن]، وهنا
سأتطرق إلى مسألة خلق الله تعالى، ذلك أن الله تعالى قال:
“خَلَقَ كُلَّ شَيْء”. الأنعام: 101، الفرقان: 2.
“خَالِقُ كُلِّ شَيْء”. الأنعام: 102، الرعد: 16، الزمر:
62، غافر: 62.

وقال عن نفسه بأنه [شيء] في قوله تعالى: “قُلْ أَيُّ شَيْءٍ
أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّـهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ”. الأنعام:
19.
فيرى بعض الباحثين أن الله خلق نفسه، فهو شيء، وهو في ذات الوقت خالق كل شيء! لكن الحقيقة أن كل ما يتعلّق بالخالق تعالى هو من باب التقريب، فلما وصف نفسه بـ [شيء] فلا يعني هذا أنه تشيّأ أو تحيّز بتاتًا، ويردّ عليه بأن الله تعالى قال أنه: "رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ". الأنعام: 164. فهل هو ربّ ومربوب في ذات الوقت؟! بالتأكيد لا.

في هذا البحث نسدّ اختلالات فكرية كثيرة منها:
1- مسألة خلق الله تعالى في جزئية خلق نفسه. فالله خالق كل شيء ولم
يخلق نفسه بنفسه.
2- مسألة ما يُعرف بالإعجاز العلمي، كزوجية المخلوقات، وعنصر الماء
في تكوين المخلوقات، فقلنا إنها في الغالب لا التعميم.
3- مسألة أن القرآن فيه تفصيل كل شيء حتى نُسب إلى الصدّيق رضي الله عنه: “لو ضاع منّي عقال بعيرٍ لوجدتُه في كتاب الله”!!. والحق أن القرآن المجيد فيه أصول ومنهجية في التعاطي مع الإنسان والكون.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

هناك تعليق واحد:

  1. شكرا كثيرا على الطريح العميق المفيد و الرائع كذلك

    ردحذف