الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

كتاب البخاري لا إفراط ولا تفريط (2)


كتاب البخاري لا إفراط ولا تفريط (2)

   استكمالاً لما قد طرحته سابقًا حول كتاب البخاري، وكما ترون فإني لا أُسمّيه "صحيح" البخاري، إذ الصحّة نسبيّة ومعيارية، وتأبى الصحّة الكاملة أن تكون إلا لكتاب الله تعالى. قال تعالى: "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ". فصلت: 42.

   إن ما رصده البخاري من روايات واعتبرها صحيحةً، إنما كانت وفق معيار الإسناد، لا معيار نقد المتون، ولا مقابلة الرواية وعرضها على القرآن الكريم. ويمكن القول إن صحّة الإسناد ليست هي الضابط الوحيد في إثبات صحّة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بل غاية ما فعله البخاري –رحمه الله تعالى- هو رصد الروايات بعد تحرّي طرقها وتحقيقها والأخذ بأصحّها. وهذا لا يعني أنها الأصحّ مطلقًا.

     فإذا ثبت لنا أن الصحّة المطلقة إنما هي حصرًا للقرآن الكريم، فإن ما فعله الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- هو نصف الطريق، وما علينا إلا تحقيق رواياته بعرضها على القرآن الكريم، لكن العلماء صبّوا جهودهم إما في انتقادات روايات البخاري من حيث الإسناد، أو في شرح روايات البخاري وبيان غرائب ألفاظها.
     وثمة أمرٌ آخر لا بدّ من تأكيده وهو أن ليس كل ما خرج من فِي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وحيٌ يُوحى، وبيان هذا وافر في كتب أصول الفقه.
     وعند التأمل في منهجية الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فهم القرآن الكريم ذاتِه، فقد كان يربط الآية بما يناظرها من آية أو آيات، فإذا كان القرآن يشهد بعضُه لبعض، فالأولى أن يشهد القرآن للروايات، ليتم قبولها. وعليه يمكن القول إن ما شهِد له القرآن الكريم وصدّقه فهو صحيح مقبول علمًا وعملاً. وقد ثبت أن عائشة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد سلكا هذا المسلك مبكرًا. لكن لم يواصل العلماء هذا المسلك إلا قليلاً، إذ قد كانت انتقاداتهم منصبةً على الأسانيد وعلم الرجال كما أسلفنا.


أخيرًا فإن متن الرواية الذي رصده الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- لا يصحّ إلا بعد أن يُوافقَ أو يُطابقَ القرآن الكريم، ثم يُنظر بعد ذلك هل هذه الرواية الصحيحة أمر حتمٍ أو ندبٍ، أمر عامٍّ أو خاصٍّ.

بوركتم جميعًا

الأحد، 10 أغسطس 2014

كتاب البخاري لا إفراط ولا تفريط

كتاب البخاري لا إفراط ولا تفريط

يكثُر في هذه الأيّام الحديث عن كتب التراث وبالأخصّ كتاب البخاري بالتزامن مع تصرّفات "داعش". وبدأت أصوات تعلو وتجهر في الكلام عن كتاب البخاري، ما بين مقدّس مصدّق لما بين دفّتيْه، وبين مُكّذب لما في الكتاب وضاربٌ به لائذٌ بالقرآن فحسب، وبعض أصوات تنادي بالتشكيك في صحة نسبة الكتاب للإمام البخاري  -رحمه الله تعالىمن الأصل!!

   وفي هذه اللحظة فإني أودّ أن أبيّن بعض الأمور فيما يخص كتاب البخاري. على شكل نقاط أرجو فيها النفع، فإني لا أتهيّب نقد أي كتابٍ، ولا أرجو سوى الحق والحقيقة.


أوّلاً: الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- بشر.
لا ريْب أن القائل بصحّة كل ما ورد في البخاري والنابذ له بالكليّة إنما هو من الغالِين غير المُنصفين. بل الدراسة النقدية والعلمية تحتّم على كل مسلم حصيف أن يقرّ بأن ليس كلُّ ما ورد في البخاري صحيحًا. وإن أطبقت الأمة على تلك المقولة. فالبخاري -رحمه الله تعالى- بشر يصيب ويخطئ.
وقد ثبت أن كتاب البخاري قد تعرّض لانتقادات من بعض العلماء اللاحقين قد ألّفوا كتبًا في ذلك وهم:
الحافظ  أبو بكر الإسماعيلي ت: 371 هـ.
الحافظ  أبو الحسن الدارقطني ت: 385.
الحافظ عبد الغني الأزدي ت: 409 هـ.
الحافظ  أبو علي الجياني الغساني ت: 498 هـ.
الحافظ  أبو الحسن بن القطّان الفاسي ت: 628هـ.
الحافظ  أبو مسعود الدمشقي ت: 662هـ.
الحافظ  ابن تيمية ت: 728 هـ. نقد حديثًا واحدًا.
     وقد بلغ مجموع تلك النقودات (104) حديثًا انفرد بها البخاري، و(52) حديثًا متفق عليه. لذا فلا داعي لترديد القول بأن [كلّ ما في كتاب البخاري صحيح]. وينبغي وقف هذا الملف وإلى الأبد.


ثانيًا: الانتقادات كانت للسند لا للمتن.
معظم النقودات التي تعرّض لها كتاب البخاري كانت منصبّةً على (الأسانيد)، و(الرواة) مثل انتقادات ابن القطّان حول راوٍ مختلط أو مُدلّس، لكن من خلال تتبع العلماء فقد ثبت أن البخاري قد خرّج طرق الروايات هذه من المختلط قبل اختلاطه، ومن تصريح المدلّس.
وانتقادات الدراقطني بعض الأحاديث بمخالفة راوٍ لمن خرّج له البخاري، ثم تبيّن أن هذا الراوي ضعيف أو ليس في وزن مخالفه.
ونجد أيضًا أن بعض الانتقادات تراجع المنتقِد عن انتقاده في ذات الباب أو في باب آخر.  وبعضها وردت على وجه الاحتمال. وبعضها الوهم فيها يسير جدًا، كانتقادهم لاسم راوٍ، وهِم فيه البخاري، مع تصحيحهم لذاك الطريق. وبعضها كانت من باب الاضطراب، لكن أمكن إيجاد الجمع، وبعضها نقد لروايات أُعلّت بالوقف أو بالتدليس أو الإرسال. وقد كانت أكثر الأحاديث المنتقدة قد صحّت من طرق أخرى إما عند البخاري أو عند غيره. انظر التفاصيل. باحو، مصطفى، الأحاديث المنتقدة على الصحيحين.ج1، ص56.
لذا فقد كانت الانتقادات على "الإسناد" لا "المتن". إذ المتون المنتقدة فقليلة جدًا ولبعض أو طرف المتن لا كلّه.


ثالثًا: التفريق بين أصول الباب والشواهد والمتابعات.
مما ينبغي معرفته أن في كتاب البخاري هناك روايات تعتبر أصل في الباب "أصول"، وهناك روايات تأتي في مرتبة أقل تُعرف بـ "المتابعات" و"الشواهد"، وهذه يتساهل البخاري في أسانيدها. إذ قد يكون في إسنادها انقطاع أو راوٍ فيه مقال.

رابعًا: في كتاب البخاري روايات للصحابة والتابعين إذ ليس كلّه أحاديث نبوية.

كتاب البخاري ليس كل ما ورد فيه أحاديث قالها الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هي آراء لبعض الصحابة (الموقوف) أو التابعين(المقطوع). ولم أقف على مجموع عدد الروايات الموقوفة والمقطوعة.


خامسًا: بعض الروايات لم تتوفر فيها على شروط البخاري "الراويات المعلّقة".
    فإذا كان عدد الروايات في البخاري حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي بلغت بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات (7593) روايةً، فقد بلغت الروايات (المعلقة) (1341) روايةً.

سادسًا: بعض الروايات يعيد البخاري تدوينها في أبواب أخرى لفائدة يراها
لذا فالروايات من غير المكرّر بحسب تعداد ابن حجر العسقلاني هو (2961) روايةً.

سابعًا: الروايات المُدلَّسة في كتاب البخاري.
فقد بلغ مجموع الرواة المدلسين في كتاب البخاري (68) راويًا مدلّسًا. أما الروايات فعددها (6272) روايةً. وبلغ عدد المدلسين الذين لم يصرّحوا بالسماع (6) من الطبقة الرابعة و(24) من الطبقة الثالثة فالمجموع (30) راويًا. وهذه الطبقتان الا تقبل إلا بالتصريح بالسماع أو باعتبارات تقوم مقام السماع.
المرتبة الثالثة: (24) راويًا، (1343) روايةً. الروايات المعنعن فيها (796) روايةً.
المرتبة الرابعة: (6) راويًا، (36) روايةً. الروايات المعنعن فيها (26) روايةً.
وعليه إذا كان مجموع الروايات المُدلسة الكليّة هو (6272) روايةً، وكان مجموع الروايات المعنعنة (822) روايةً، فإن الروايات التي تقبل عددها (5480) روايةً، وعليه تكون نسبة الروايات التي لا تقبل بسبب التدليس هي 13.1% من مجموع الروايات المدلّسة.
(انظر: الخلف، عوّاد، روايات المدلسين في البخاري، ص591-592)

ثامنًا: نسخة البخاري الحالية المتداولة ليست الأصلية بل هي أقدم النسخ.
 ولا يمكن الشك بوجود نسخة كتبها البخاري بنفسه، ذلك أنّ تلميذه الإمام مسلم ت: (261هـ)، وهو من صنّف أيضًا كتابًا في الأحاديث وقد اتفق مع البخاري (المتفق عليه) في (2514) روايةً. وإن اختلفوا في اعتماد الرجال، حيث اعتمد البخاري على الأقل على (10) راويًا، اعتمد مسلم على بعضهم في المتابعات، وفي المقابل فقد اعتمد مسلمٌ على الأقل على (16) روايًا، اعتمد البخاري على بعضهم في المتابعات.

أخيرًا يبقى كتاب البخاري من أجلّ كتب الروايات التي حفظت للمسلمين أحاديث الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين، وعلى أهل العلم أن يواصلوا نقدهم لهذا الكتاب، فقد نقد كبار العلماء الروايات الواردة فيه، إذ كانت نقوداتهم منصبّة على الأسانيد، لا على المتون، وما نحتاجه اليوم هو نقد الروايات بناءً على منهجية نقد المتون وذلك بعرضها على القرآن ومقاصده الكليّة وما يوافق السنن والحقائق العلمية.
وليس من الصواب إتلاف الكتاب أو إنكار أصله أو التنكّر له، بل لا بدّ من تشمير السواعد وفق منهجية منضبطة محددّة، لتقييم كتاب البخاري، وتنقيته، رحِم الله تعالى الإمام البخاري فقد قام بجمع الروايات وفق معيار علم الرجال، وبوّبها على أبواب الفقه، ورحم الله تعالى كبار العلماء الذين نقدوا كتابه، ورحم الله تعالى من ردّ وأجاب عن البخاري، لكن ليس من العلميّة في شيء الوقوف على أعمال السابقين وترديد أقوالهم وأمجادهم.
وما أجمل كلام ابن القيم: "وعياذًا بالله من شر مقلد عصبي يرى العلم جهلاً والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح عدوانًا، وهذا المضايق لا يصيب السالك فيها إلا من صدقت في العلم نيّته وعلَت همَته، وأما من أخلد إلى أرض التقليد واستوعر طريق الترجيح فيقال له ما هذا عشُّك فادرجي" (2).

(2) http://islamport.com/w/qym/Web/3185/449.htm? zoom_highlight=%22%E3%C7+%E5%D0%C7+%DA%D4%DF%22 

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

مسائل في القرآن الكريم.. مصدره..صحته..صلاحيته



في زمن سهُل فيه الوصول إلى المعلومة وبنفس القدر سهُل فيه تزييفها.
ومن المسائل التي يتطرق إليها الشباب غير المسلم وتوجَّه نحو الشباب المسلم مسائل تتعلّق بالقرآن الكريم المتداول من حيث مصدره ومن حيث صحته ومن حيث صلاحيته.
أما كون مصدره من الله تعالى فهذا لا مجال للبحث التجريبي في بيانه فضلاً عن تأكيده أو برهنته. فيبقى المقطوع به على الأقل أنّ الذي جاء به هو محمد (ص). والفرْضيات التي يرى أصحابها أن القرآن الحالي هو من تراث القرن الثالث أو الرابع الهجرييْن لا تثبت عند الفحص والتحقيق.

أما من حيث صحة من حيث ثبوته وحفظه فيتوقف الأمر على إثبات النسخة أو الوثيقة "الأصلية" التي دُوّنت وقت التنزيل، والواقع  أنه لم يثبت حتى اللحظة تلكم النسخة الأصلية، وهذه إشكالية.

أما القول بأن القرآن الكريم نُقل بالتواتر وحُفظ بالصدور، فهذا الأمر يصحّ إذا ثبت وجود النسخة الأصلية، وللتواتر أفضلية نشر القرآن على نطاق واسع. فالبرغم من وجود نسخة واحدة وقت الرسول النبي (ص) إلا أن القرآن محفوظ في الصدور، ونقل إلى الأجيال اللاحقة بالتواتر. فإن الحفظ في الصدور والتواتر فينقل المحفوظ يفيدان في أفضلية نشر القرآن لا في إثباته من حيث التدوين.
والذي نقله إلينا المؤرخون أن فترة الرسول النبي كان القرآن يكتب متفرّقًا على الوسائل المتاحة آنذاك، وقد حفظ بعض الصحابة القرآن كاملاً في صدورهم، وفي عهد الخليفة الصّدّيق تم جمعه لأسباب توثيقية "نسخة الصّديق" أو "مصحف حفصة"، ومضى المسلمون على حفظهم للقرآن الكريم في صدورهم وبقي مصحف الصّدّيق هو النسخة "المعتمدة" مع وجود بعض النسخ "الخاصة" لدى بعض الصحابة، وبقي الأمر على ما هو حتى خلافة عثمان، وفي هذه المرحلة بدأت قراءة القرآن الكريم وحفظه بالاضطراب في بعض البلاد المفتوحة. وما أدّى ذلك إلى انشغال العسكريين بالقتال وقلّة اهتمامهم بالضبط والإحكام لقراءة آيات القرآن الكريم، وأيضًا ورد لدينا خلافات بين بعض الصحابة في كيفية قراءة بعض الآيات مما يدل أن الاضطراب أيضًا قد كان في الحضر وفي المدينة، ومهما يكن من سبب، فقد دخل الاضطراب في قراءة القرآن الكريم، وقد تمّ نسخ عدة نسخ على اختلاف الروايات التاريخية من النسخة المعتمدة "الصّدّيق" وهذه النسخ عرفت بـ"المصاحف العثمانية". والواقع أن لا أثر لأي نسخة منها فضلاً عن "مصحف حفصة". وهذه إشكالية. لكن ربما يكشف لنا الزمان عنها.
وفي أثناء نسخ الخليفة عثمان للمصاحف نقل إلينا المؤرخون حرقه لباقي النسخ "الخاصة"، وحثّ على تداول المصاحف التي نسخها في سائر بلدان المسلمين.
ومع ذلك ما زال بعض المسلمين يحفظ القرآن الكريم في صدره، ولم يكن آنذاك آلة لتسجيل الأصوات كعصرنا هذا إذًا لأمكن المقارنة والفحص إن تطابقت مع قراءتنا المعاصرة، وقد نقل لنا بعض المؤرخين بعض الاختلافات بين القرّاء في كيفية قراءة بعض الآيات، فظهر بما يعرف بعِلم القراءات، وجعلوا لها شروطًا.
أما "المصحف المعاصر" فقد تمّ طباعته في المملكة السعودية وهو وفق قراءة حفص عن عاصم المتواترة، وهناك مصاحف طبعتها دولة ليبيا والسعودية أيضًا وهي وفق قراءة ورش عن نافع، وهناك مصاحف وفق قراءة شعبة عن عاصم. وكلها متواترة، وقد تمّ الاعتماد على كتابتها على كتب القراءات.
والمدقّق بين هذه القراءات يجد زوائد ونواقص بين بعض الكلمات تم تفسير هذه الاختلافات على أنها وجوه للقراءة المتواترة. ومهما يكن فإن هذه الاختلافات ليست متناقضة. أَفَلَا يَتَدَبَّرُ‌ونَ الْقُرْ‌آنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ‌ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً‌ا" النساء: 82. فالاختلافات قليلة وغير متناقضة.
أما بخصوص صلاحية القرآن الكريم لكل زمان ومجتمع، فيمكن القول إن القرآن الكريم يقسّم إلى قسميْن:
الأول: الآيات التأسيسية تصلح لكل زمان ومكان، ولا تتخلف أبدًا ولا تتحوّل. وهي ما تُعرف بالثوابت.
الثاني: الآيات العلاجية، وهي التي تعالج قضايا إنسانية اجتماعية كانت قائمة وقت التنزيل، وهي قابلة للتغيّر و التبديل بحسب الظرف، وهي ما تُعرف بالمتغيّرات. ومن أمثلتها: الجزية، طرق ردّ العدوان والدفاع، والزواج من الصغيرات، والإماء والعبيد.
لذا فالقرآن الكريم بعضه صالح لكل زمكان، وبعض علاجي غير تأسيسي.

 الخلاصة:


كما أن ليس لدينا دليل حسّي مخبري على وجود "الخالق"، بل لدينا آثار خلقه الدّالة عليه، فإنه في الوقت ذاته ليس لدينا دليل توثيقي على أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا هو المطابق للنسخة التي نزلت أو دُوّنت على عهد الرسول النبي(ص)، بل لدينا آثار تلك الكلمات وما تحمله من معانٍ ومعارف، وكل ما لدينا هو آثارٍ من نسخ قديمة لا "أصلية"، فثمّة فجوة بين النسخة الأصلية المفقودة وبين النسخ القديمة المتوفرة حتى اللحظة. كما ثمّة فجوة بين إدراك "الخالق" وبين الإشارات الدالة عليه.
ومع هذا فإن الإقرار بأن القرآن الكريم هو كتاب جاء به محمّد (ص)، على تنوّع القراءات واختلافاتها غير المتناقضة، تحمل في ثناياها معارف وعلوم سابقة لعصرها، لهو إشارة إلى صدق وصحة ومصداقية القرآن وأنه من عند "الخالق".

بوركتم جميعًا

الخميس، 7 أغسطس 2014

مراحل الإدراك والعلم


بنو إسرائيل وبنو صهيون



   



     إن المتأمّل في كتاب الله تعالى لا يجد نسبةً لفلان، إلا لآدم ولإسرائيل، فقد ورد [بنو إسرائيل] 41 مرّةً، ولا شكّ أن ثمّة فرق بين [اليهود] و[بنو إسرائيل] فالأول وصفٌ لجماعةٍ تجتمع فيها صفاتٌ معينةٌ، والأخير وصف لنسْلٍ يرجع إلى إسرائيل، كما أن الناس يرجعون إلى آدمَ فهم [بنو آدم].



     ونجد أن الله تعالى قد قضى بحكمته لـ [بني إسرائيل] فرصَتيْن يكون حالهم فيهما فساد كبير، قال تعالى: "وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَ‌ائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْ‌ضِ مَرَّ‌تَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرً‌ا". الإسراء: 4.

     وعند التأمل في كتاب الواقع نجد أن ما يُسمّى بدولة إسرائيل وهي كما لا يخفى وليدة مشروع استعماري التي تمثّل وجه الفساد وإن جمّلوه بمعادلة المقارنة مع فساد حكّام العرب، ونجدُ في المقابل المقاومة المسلمة وصدّها لعدوان هذا الكيان كما شهدناه ولمّا تضع الحرب أوزارها بعدُ التي تمثّل وجه الأحقيّة وإن شوّهوها بمعادلة القياس مع توجهّات بعض حركات المقاومة الأخرى.

وجمعًا بين القراءتين (القرآن والواقع) فإن هذا العُدوان من كيانٍ  آثمٍ، وهذا الردّ من حركةٍ تقاوم، ليس إلا أوّل المخاض، إذ في فلسطين يُرفع لواءُ  الحقّ فيستجيب له كل إنسان حرّ، وفي فلسطين يُرفع لواء الباطل فيهرع إليه كل شخص تجرّد من إنسانيته، وتدور رحى الحرب فيسقط الشهداء بل يرتفعون وتتجدّد الدماء فتزكوا الأنفس وتتزكّى الصفوف، وتشتدّ السواعدُ، ويتجلّى الحقُّ ويتبدّى، وفي ذات المقام يخسر العدو ويتمسّك بخياراته الهوجاء، ويُمدُّ بأموالٍ وبنينَ، ويزيدُ نفيرًا ونفورًا، وفي ساعة الحسْم، حين تتكشف الصهيونية عن وجهها وتظهر نسلها [بنو إسرائيل]، وحين تتنقّى صفوف المجاهدين ويظهر [عبادًا لنا] في تلكم الساعة، يأتي وعد الله تعالى فيُهزم [بنو إسرائيل] ومَن شايعهم في العالم كلّه، ليكونوا ما بين مَن نالَ الدمار والتبار وبين مَن ذاق مرارة إساءة الوجه والعار، في تلكم الساعة يتحرّر المسجد الأقصى، فيكون مركز العالمين. 

     لذا فما زلنا في بدايةَ المشوار، فوجه الصهيونية لم يسقط بعد، لكنه حتمًا سيسقط، ولستُ مع من يُحدّدًا وقتًا لموعد التحرير، وإنما المطلوب هو الإعداد، والعمل، فزوال الصهيونية  وبني إسرائيل مرهون بذهنية ونفسية العربي والمسلم، أكثر من ارتهانه بمدد أعوانه. جندٌ قليلون يواجهون جيشًا عرمرَم، لم يَصمدوا أمامهم ولم ينجحوا في القضاء عليهم، ليس لأنهم أقوياء أو أذكاء، بل لأن ذهنية المقاوم المسلم ونفسيّته هي من هزمهم وهي من دحرهم.

"إِن تَنصُرُ‌وا اللَّـهَ يَنصُرْ‌كُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ". محمّد: 7.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيب

الأربعاء، 4 يونيو 2014

إبراهيم عليه السلام و[الدين الخاتم]

إبراهيم عليه السلام و[الدين الخاتم]

استحقّ إبراهيم عليه السلام وهو رجل أن يكون [أمّة] وما كان ذلك إلا نتيجة تمثّله المنهج العلمي في البحث والاستدلال والحوار والتبليغ، وقد سأل إبراهيم عليه السلام ربّه تعالى أن يبعث رسولاً من ذرّيّته ويكون أتباعه [أمّة]: 
"رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ 
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *
"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". البقرة: 128- 129.

فما جاء [الدين الخاتم] و[خاتم النبيين] ونزلَ آخر منهج [القرآن الحكيم] استحقّ أتباع هذا المنهج أن يكون كلّ شخص فيهم [أمّة]، لكن بعد [جهاد] في البحث الدؤوب و[الابتلاء] الروحي. قال تعالى:
"جَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَ‌جٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَ‌اهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّ‌سُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّـهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ‌". الحج: 78.

فالقرآن الحكيم دعا إلى انتهاج "المنهج الإبراهيمي" قال تعالى:
" ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَ‌اهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِ‌كِينَ". النحل: 123.
"قُلْ صَدَقَ اللَّـهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَ‌اهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِ‌كِينَ". آل عمران: 95.
"وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَ‌اهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّـهُ إِبْرَ‌اهِيمَ خَلِيلًا". النساء: 125.
"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَ‌اهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّـهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ". آل عمران: 68.
"وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَ‌ىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَ‌اهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِ‌كِينَ البقرة: 135.

وعلينا أن نعمل بذات [المنهج الإبراهيمي] ونردّد قوله تعالى:
"قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَ‌بِّي إِلَىٰ صِرَ‌اطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَ‌اهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِ‌كِينَ". الأنعام: 161.


بوركتم جميعًا

الاثنين، 2 يونيو 2014

إبراهيم عليه السلام مكتشف نقيض خطط [الشيطان]

إبراهيم عليه السلام مكتشف نقيض خطط [الشيطان]

تبيّن لما فيما سبق أن إبراهيم عليه السلام قد توصّل إلى معرفة [الخالق] بالبرهان والبحث الدؤوب، وهو من ابتلاه تعالى بـ [الكلمات] بينما تعلّمها [آدم] وتلقّاها من ربّه تعالى، وإبراهيم عليه السلام هو ذاته من عرف الأرض [التي باركنا فيها للعالمين] موطن خلق [آدم] عليه السلام، وقبل يومين نشرتُ أنه عليه السلام هو من أعاد دور ووظيفة [الأنعام] كقرابين تقدّم [للخالق] تعالى لكن بعد جهد روحاني عالي الشدة [بلاء مبين]، واليوم سنتعرّف كيف أن إبراهيم عليه السلام قد سأل [الرّب] عن خطّةٍ ينقض بها خطط [الشيطان].

قال تعالى:
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَ‌اهِيمُ: رَ‌بِّ أَرِ‌نِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ؟
-قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِن؟
قَالَ: بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-
قَالَ: فَخُذْ أَرْ‌بَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ‌ فَصُرْ‌هُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". البقرة: 260.

من كتاب نظرية "الذي خلق".

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيب