السبت، 4 أكتوبر 2014

لا وصول إلى حقائق الأشياء إلا بالبلاء

"فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ". الصافات: 101- 113.

رأى إبراهيم عليه السلام في المنام عدّة مرّات أنه يذبح ولده،  لكن تكرارها يدلّ على تردد ذلك لعدم الوضوح التام  لدى إبراهيم عليه السلام. ومما يبرهن على أن إبراهيم عليه السلام قد تردد في ذبح ولده هو تكرر الرؤيا في منامه مرارًا بدلالة الفعل المضارع (أرى): "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ". الصافات: 102.
وحتى ندرس المسألة منهجيًا نسرد احتمالات سبب التردد فهو نابع من أحد الاحتمالات الآتية:
1-    الشك في مصدر الرؤيا.
2-    كون الذبيح إسماعيل أو إسحاق.
3-     طبيعة الرؤيا.
أولًا: بالنسبة للشك في مصدر الرؤيا فهو وارد بالتأكيد وقد دلّ عليه الفعل المضارع (أرى)، فإبراهيم (ع) ما كان ليعصيَ ربَّه مهما كان الأمر ذبحًا أو غيره، ومهما كان الولد الأكبر أو الأصغر.
وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤلات غاية في الأهمية:

1- هل الله تعالى يأمر بقتل نفس بريئة؟ 

قال تعالى:
"قُلْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ". ﴿الأعراف: ٢٨﴾.
وقال: "إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ". ﴿هود: 56﴾.
قد يقول قائل نعم إن الله تعالى له أن يأمر بما شاء وكيفما شاء ويأتي بقوله تعالى:
"فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا". ﴿الكهف: 74﴾.
وهنا فالعبد الذي علّمه ربّه من لدنه علمًا قد قتل بحسْب الظاهر نفسًا زكية بغير مستحق ظاهر حاضر.
فقد يكون الأمر بقتلِ نفسٍ بسبب داعٍ ظاهر أو غير ظاهر كما في قصة العبد الصالح ومثله ما رآه إبراهيم في منامه.
ولا يغيب عنّا أن تقديم القرابين البشرية كان مألوفًا في زمن إبراهيم، فإذا كانت الآلهة يُقدّم لها القرابين البشرية وهي باطلة، فأولى بهذه القرابين البشرية مَن خلقها وأوجدها وهو الله الخالق تعالى.

2- الأمر الربّاني للأنبياء هل يكون في المنام؟ أم أن منام الأنبياء كمقام الوعي التامّ لدى الناس؟
ورد في البخاري رواية تفيد أن رؤيا الأنبياء وحي، رواها عن عبيد بن عمير تعليقًا: "رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: "إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ."
3- هل الرؤى المنامية كلها تنفّذ بحرفيتها أم لا بدّ من تأويلها؟ وإن كان ذلك كذلك فما هو ضابط التفريق بين كونها لازمة التنفيذ حرفيًا أو أنها داخلة في التأويل؟
إن الرؤيا الصادقة لا تقتصر على الأنبياء والمؤمنين فقط، بل تشمل الصالحين والطالحين، وبحسْب الآيات الواردة في القرآن الكريم فيما يتعلّق بالرؤى فبالإمكان تقسيمها إلى نوعين:

الأول: ما يمكن تحقيقه بطبيعة الحال وهو وفق السنن والقوانين:
"وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّيأَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".   ﴿يوسف: ٣٦﴾
أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا  وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ  قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿ يوسف: 41﴾
"فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰقَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ".﴿الصافات: ١٠٢﴾
"فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ". الصافات: ﴿103-107.
"لَّقَدْ صَدَقَ اللَّـهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّـهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا". ﴿الفتح: ٢٧﴾.
فكل هذه المنامات تنطبق على الواقع بحكم السنن والقوانين ولا إشكال، فلا مدخل للتأويل هاهنا، بل التنفيذ والتحقيق الحرفي لهذه المنامات هو الحاكم لها.
الثاني: ما لا يمكن تحقيقه بطبيعة الحال وهو مخالف لللسنن والقوانين.
" إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْلِي سَاجِدِينَ". ﴿يوسف: ٤﴾
"وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا". ﴿يوسف: ١٠٠﴾
"وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ". ﴿يوسف: ٤٣﴾
"قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ". يوسف: ﴿47-49﴾.

أما هذه المنامات فلا تنطبق على الواقع بحكم السنن والقوانين، فلا بدّ لها من تأويل كما بيّنته الآيات.
ثانيًا: أما كونه إسحاق، فهذا مما يزيد من شكّ إبراهيم (ع) إذ وعده الله تعالى بأن يكون لإسحاق ذرية، لكن يرفع هذا الاعتراضَ يقينُه أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، فالله تعالى قادر بعد أن يقوم إبراهيم (ع) بذبح ابنه بإعادته إلى الحياة مرة أخرى. هذا بغضّ النظر عن اسم الذبيح.
ثالثًا: أما الاحتمال الأخير فإن الرؤيا المتكررة كانت واضحة وهي (ذبح الولد).
فإبراهيم (ع) تلقى رؤيا واضحة، وفهم محتواها ودلالتها، وعرف من المقصود من أولاده، ويعلم علم اليقين قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، لم يبقَ لنا إلا أن نقول إن حالة التردد كانت بسبب عدم التيقن من مصدر الرؤيا. وحسب القراءة لسياق الآيات فإن الذبيح هو إسحاق (ع) وهذا وارد في كتب التراث وإن كان الرأي السائد أن الذبيح هو إسماعيل (ع).

 فالذبيح هو إسحاق عليه السلام، ذلك لأن الملائكة قد بشرت زوجة إبراهيم عليه السلام لما جاءت ضيوفًا عليهما: (بَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) هود: 71.  فقد بشّروها بإسحاق ولدًا وأن سيكون له خلف هو يعقوب عليهم السلام، ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق عليهما السلام: (الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ). إبراهيم: 39. والذي ورد في آيات الرؤيا أن إبراهيم عليه السلام قد ترددت عليه الرؤيا مرارًا. (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ) الصافات: 102 فدلالة الفعل المضارع تفيد الاستمرارية، وكان إبراهيم عليه السلام قد شكّ في أمر الرؤيا فهل يعقل أن يذبح ابنه إسحاق عليه السلام وقد وعده الله تعالى بأن إسحاق عليه السلام سيكون له ذرية: (وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، وما كان لإبراهيم عليه السلام أن يتأخر في تقديم أيًا من أبنائه قربانًا لله تعالى، فقد كان هذا النوع من الطقوس دارجًا، لكن إبراهيم عليه السلام تلكّأ خوفًا من أن يكون الحلم من تأثير الشيطان، فهل يقوم بذبح ابنه إسحاق عليه السلام؟ أم لا يذبحه؟ فلما تكررت الرؤيا، وقام بسؤال ولده عن تلك الرؤيا ووجد استعداده: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). الصافات: 102. فقد كان هذا بلاءً مبينًا لكلا الشخصين الوالد والولد (إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ). الصافات: 106، ولو كان على فرض أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام لما تردد لحظة في ذبحه ولا حتى طلب مشورته، فليس هناك ما يشّوش عليه الرؤيا، إذ لم يعِدْ الله تعالى بأن سيجعل لإسماعيل ذرية كما هو الحال لإسحاق عليهم السلام، والحال أنه كان يرى أنه يذبح إسحاق عليه السلام والذي أشكل عليه أن الله تعالى قد وعده بذرية من إسحاق عليه السلام فكيف سيذبحه؟!
لكنه لما باشر التنفيذ قال تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين). الصافات: 103-111. 
وفي المقابل وجزاء امتثال إسحاق عليه السلام لأمر أبيه فقد أكرمه تعالى بالنبوة والذرية المباركة مستقبلاً: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ -إبراهيم- وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ  وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ). الصافات: 112-113. 
 فالبشارة هنا دقيقة وهي بشارة نبوة إسحاق عليه السلام لا بشارة مولده، وبشارة بركة على ذريّته كما هو واضح ومتّسق مع الآيات.
والواقع أن إبراهيم عليه السلام قد صدّق الرؤيا بالرغم من عدم ذبح ولده فعليًا مع توفّر الاستعداد والاستسلام الكاملين. فإن كان ما رآه هو أضعاث أحلام أو من تأثير الشياطين، لما قال الله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  *  إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ". الصافات: 104-105

 لكن لماذا أرى اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السلام في منامه أنه يذبح ولده؟
احتمالات الآتية:
1- لاختبار إبراهيم عليه السلام وابتلائه. "إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ". الصافات: 106.
2- لأن إبراهيم قد تعلّق بحبّ ولده، ولأن إبراهيم خليل الله تعالى فلا ينبغي أن يشارك حبّ الله تعالى أي أحد أو مزاحمة. "وَاتَّخَذَ اللَّـهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا". ﴿النساء: 125﴾.
3- لأن إبراهيم عليه السلام كونه بحّاثًا عن الحقّ، ولا يصل إليه إلا بعد مكابدة وجهد وابتلاء، فقد كان يفكّر في القرابين وعلاقتها بالخالق والمخلوق.
 وما أميل إليه هو الاحتمال الأول والثالث، فلا وصول إلى حقائق الأشياء إلا بالبلاء، وقد وُصِف بأنه مبين، وليس عظيم، لأن البلاء العظيم يكون بحسب القرآن الكريم للجسد والنفس، أما البلاء المبين فيكون للذهن لا البدن.
بوركتم جميعًا
ولكل مجتهدٍ نصيبٌ
10-5-2014

الخميس، 2 أكتوبر 2014

الآيات والعلامات هي [بلاء مبين]

الآيات والعلامات هي [بلاء مبين]
تكررت رؤيا إبراهيم لذبح ولده مرارًا "إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ". الصافات: 102. وهذا جعل من الرؤية واضحة لا يتخللها غبش أو التباس، ومما زاد في وضوحها جواب ولده لما سأله: "فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ". الصافات: 102.
في هذه اللحظات يقدم إبراهيمُ وولدُه لتنفيذ وتطبيق الرؤيا. وفجأة وقبل القيام بذبح الولد نادى الرب إبراهيم: "وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ". الصافات: 104-105.
فالرب اعتبر ما قام به إبراهيم تصديقًا للرؤيا بالرغم من عدم تنفيذها فعليًا، لكن الاجراءات والاستعدادات دلّت على صدقه، فكان هذا البلاء (بلاء مبين)، "إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ". الصافات: 106.
ورد مركب (بلاء مبين) في موضع آخر وحيد وهو قوله تعالى:
"
وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ –بني إسرائيل- عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُّبِينٌ". الدخان: 32-33.
ومعلوم أن اختيار الرب لبني إسرائيل على أمم عصرهم لحكمة يعلمها، ومشروطة بالأخذ بالميثاق، وقد آتاهم الله تعالى الآيات المؤيدات والعلامات الواضحات وفيها (بلاء مبين).
لكن ما هو الاختبار الواضح في قصة إبراهيم وما هي الآية أو العلامة؟ 
فإبراهيم اختبره ربه في ذبح ولده، وقد كانت الرؤيا تدل بوضوح على هذا وجواب ولده أكدها، وقد سمّى الرب إبراهيمَ محسنًا، والقانون الإلهي يقتضي: "هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ". الرحمن: 60.
فإحسان إبراهيم لا بدّ أن يقابل بإحسان مماثل، فكان الإحسان: "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ *وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ". الصافات: 107-113. 
فبخصوص الولد فقد تمّ افتداؤه بذبح عظيم، ومعلوم أن بهيمة الأنعام لا يمكن أن تساوي قيمة الإنسان مهما عظمت.
ومعلوم أن إبراهيم دائم التفكر وكثير التساؤل، فلا بدّ أن الله تعالى أطلعه على آية أو آيات في هذه اللحظات الصعبة، وقد علمنا سابقًا أن إبراهيم قد أعاد للأنعام دورها في القرابين بعد أن حرَف الشيطانُ الناس إلى القرابين البشرية، فما الذي علِمه إبراهيم في تلك اللحظات؟ إذ معاناة إبراهيم كانت ذهنية لا جسدية.
  1. لما لم تكن الرؤيا من الشيطان ومع أن ولد إبراهيم لم يرتكب أي ذنب، ولا إبراهيم نفسه، فلا بدّ من تنفيذ أمر الذبح.
  2. من المفترض إن تمّ ذبح ولده أن يقوم الربّ بإحيائه تارةً أخرى، وهذه متيقَّن منه بالنسبة لإبراهيم.
  3. أما أنه لم يقمْ بذبحه بل قام بذبح كبش عظيم بدلاً عنه، فهذا من شأنه يفتح تساؤلات لدى إبراهيم.
لماذا لم يذبح فعليًا ولده؟ لماذا افتدِيَ ولده بذبح عظيم؟ ما هو المقصد من كل هذا؟ ما هي الآية التي عَلِمها إبراهيم بعد هذه المعاناة الذهنية؟؟


الأربعاء، 1 أكتوبر 2014

إبراهيم والذبيح ليس مكتملًا


الأضحية في القرآن الكريم والروايات:


الأضحية في القرآن الكريم والروايات:

قال تعالى: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ". الحج: 28.
"وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ".الحج: 30..."لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ". الحج: 33. "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّـهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ" الحج: 33-37.
"وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". البقرة: 196.

* الأضحية يُبتغى فيها الأجر من الله تعالى: قال تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". الأنعام: 162.
"إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا". الإنسان: 9.

* الأضحية من شعائر الله تعالى: "ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ". الحج: 32.
*والمقصد من الأضحية هو تحصيل التقوى. فالله تعالى لن يناله لا اللحوم ولا الدماء: 
"لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ". الحج: 37.

* ذلك أن اللحوم تصل إلى البائس الفقير والقانع والمعترّ: "فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ". "فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ". والمساكين واليتامى والأسرى.

* وللأضحية زمن محدد: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ". الكوثر: 2.

مما سبق نلاحظ أنه لم يرد في القرآن الكريم إلا المقصد من الأضحية وهو (التقوى)، وتحديد نوعها (بهيمة الأنعام)، وزمان الذبح (بعد الصلاة)، وتحديد مَن يأكل منها ويُعطى منها.

أما في الروايات وهنا لا أناقش إلا روايات البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى أي التي صحّ سندها. حيث وردت بعض الروايات تفيد تحديد سنّ وعمر الأضحية (زائد على القرآن) وتوقيت الذبح (موافق للقرآن).
وحتى نعالج الأمر بمنهجية متزنة أطرح التساؤلات الآتية:
  1. هل الأضحية واجبة؟ لا على الراجح.
  2.  وهل يعتّد بالعُمر؟ أم العبرة بالوزن؟ الوزن.
  3. وهل العبرة بكمية اللحم؟ أم بطيب اللحم؟ وفرة اللحم لا طيبته.
  4. وهل العبرة بالتقوى؟  بالتأكيد.
  5. وهل توقيت الأضحية معتبر؟  بالتأكيد. وهو موافق للقرآن الكريم.
  6. وهل يصحّ أن يرخص الرسول النبي (ص) لأحد من أصحابه في ارتكاب مخالفة؟؟ لا يعقل!.

في الروايات:

1- رواية عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مُسنّة إلا أن تعسّر عليكم فتذبحوا جَذعة من الضأن". رواه مسلم.
والنهي في هذه الرواية لا يفيد الكراهة أو التحريم، بل هو من باب الندب والاستحاب.
وليس في الرواية ما يفيد حرمة ذبح الجدعة من الضأن.
2- رواية عن عقبة بن عامر قال: "قسّم الرسول صلى الله عليه وسلم فينا ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله! إنه أصابني جذع، فقال: "ضحِّ به". رواه مسلم.
عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر رَضِي الله عنهُ أَن النَّبيَّ أَعطاهُ غَنَماً يَقْسِمُها عَلى صَحابَتِه ضَحايا فبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ للنبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: "ضحِّ أنتَ بهِ". رواه البخاري.
فالرواية هذه تفهم من خلال الرواية الأولى فقد تعسّر على عقبة بن عامر تحصيل المسنة إذ كان نصيبه من القسمة جذعة، ولم يتوفر له غيرها.

3- عنِ البرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله عَنْهُمَا ضَحَّى خالٌ لِي يُقالُ لهُ أبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَقَالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: "شاتُكَ شاةُ لَحْمٍ". فَقَالَ يَا رسولَ الله: إنَّ عِنْدِي داجِناً جَذَعَةً مِنَ المَعَزِ. قَالَ: "اذْبَحْها وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ". ثُمَّ قَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فإِنَّما يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ ومَنْ ذَبَحَ بعْدَ الصَّلاَةِ فقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأصَاب سُنَّة المُسْلِمين". رواه البخاري.
عنِ البرَاءِ قَالَ ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاَة فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: "أبْدِلْها". قَالَ لَيْسَ عِنْدِي إلاَّ جَذَعَةٌ قَالَ شُعْبَةُ: وأحْسِبُهُ قَالَ هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ قَالَ: "اجْعلْها مَكانَها ولَنْ تَجْزِيَ عنْ أحدٍ بَعْدَكَ". رواه البخاري.
وفي روايات أخرى: (ولا رخصة فيها لأحد بعدك)، (ولن تُجزيَ عن أحد بعدك)، (وليست فيها رخصة لأحد بعدك)
الرواية تعالج موضوع تحديد زمان ذبح الأضاحي، فأبي بردة (رض) ذبح شاتَه قبل الصلاة، والأصل أن يكون الذبح بعد الصلاة لا قبلها. "فصلّ لربك وانحر". الكوثر: 2. فاعتبرت شاته شاة لحم لا شاة أضحية. وهنا الصحابي أراد حلاً لما واجهه، فأرشده الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذبيحة آخرى مكان الأولى.
والأضحية في الأصل كما هو راجح ليست واجبة.
عن البراء بن عازب أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن هذا يوم اللحم فيه مكروه وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعِد نسكًا" فقال: يا رسول الله إن عندي عَناق لبن هي خير من شاتي لحم فقال: "هي خير نسيكتيك ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك". رواه مسلم.
اللحْم فيه مكروه: بتسكين الحاء؛ يُشتهى فيه اللحم.
اللحَم فيه مكروه بفتح الحاء؛ ترك الذبح والتضحية. وبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه.
فقضية لا تجزي غيرك أو تصلح لغيرك المقصود بها هي الذبيحة قبل الصلاة، لا العناق أو جذعة المعز. 
فلا يعقل أن يستثني الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحدًا بعيْنه من شرط مشروط.
لذا فالروايات تحدد عمر الأضحية والحكمة من هذا التحديد هو وفرة اللحم.
فهل العبرة بالعمر أم بالوزن؟
يمكن القول إن العبرة هي بالوزن والذي يتكون بفعل التغذية عبر الزمن، ويتأثر الوزن حاليًا بنوع التغذية، فتصير الأضحية وافرة اللحم في فترة زمنية قصيرة. وعن أبي أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ قَالَ: "كُنَّا نُسَمِّنُ الْأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ". رواه البخاري. 
وإذا كان المقصود من الأضحية هي إطعام المحتاجين لوجه الله تعالى، فإن وفرة اللحم هي المقصودة.
والمقصود في الضحايا وفرة اللحم، فشاة نفيسة أفضل من شاتين غير سمينتين بقيمتها.
ولو كان تحديد سنّ الأضحية من أمور التعبّد الواجب الالتزام بها، ويحرم -كما يصرّ بعض التقليدين- ذبح ما دون السنّ المطلوب، فكيف يسمح الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بارتكاب مخالفة من أحد صحابته. كأبي بردة وجعل ما فعله خاصًا به؟!!
لم يبقَ إلا أن يقال إن تحديد سنّ الذبيحة هو من باب الاستحباب لا من الأمور التعبدية، فلا يصح أن يقال هنا إن الأصل في العبادة التوقف. والمقصود من تحديد السن آنذاك هو وفرة اللحم.
ويمكن القول إن الحكمة هي المحافظة على نسل الحيوانات فلو ذبح الناس الأضاحي مما لم تبلغ بعد السنّ فإنه يؤثر في تناسلها، وإن كان صغير بهيمة الأنعام أطيب لحمًا إلا أن العبرة ليست في طيبة اللحم بل في وفرته.
فالأضاحي قرآنيًا المقصود منها هو الإطعام أما الروايات فهي لتخليص الذنوب والخطايا وبالمناسبة كل هذه الروايات ضعيفة:

1- عن زيد بن أرقم قال: « قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما هذه الأضاحي قال: (سنة أبيكم إبراهيم) قالوا: فما لنا فيها ؟ قال: (بكل شعرة حسنة) قالوا: فالصوف ؟ قال: (بكل شعرة من الصوف حسنة) » ضعيف أو موضوع.
2- عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمائها كل ذنب عملتيه، وقولي: { إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ } ضعيف إلى قوله من المسلمين . قال عمران : قلت: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة قال: لا، بل للمسلمين عامة. ضعيف.
3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: « قال النبي صلى الله عليه وسلم: ضحوا وطيبوا بها أنفسكم، فإنه ليس من مسلم يوجه ضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وفرثها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة، وكان يقول: أنفقوا قليلا تؤجروا كثيرا، إن الدم وإن وقع في التراب فهو في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة » .ضعيف.
---------
المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم. وعليه فلا يجزئ من البقر إلى ما أتمت سنتين ودخلت في الثالثة،  ولا من الإبل إلا ما أتمت خمس سنين ودخلت في السادسة، وأما الغنم فلا يجزئ فيها إلا الجذع من الضأن. والمشهور عند أهل اللغة أنه هو الذي أكمل سنة تامة. وقيل ابن ستة أشهر وقيل سبعة وقيل ثمانية وقيل عشرة.

السبت، 27 سبتمبر 2014

مراحل الجنين في القرآن

مراحل خلق الجنين في القرآن الكريم

أودّ أن أقول إن ما جاء وصفه في القرآن الكريم فيما يخص أطوار خلق الجنين، لا يعدو أن يكون وصفًا معرفيًا يناسب السقف المعرفي للمثقف وقت التنزيل، وبهذا لا مكان لمن يرى في ذلك الوصف سبقًا علميًا أو "إعجازًا". 
فوصف القرآن الكريم خلق الإنسان من تراب من حيث أصله الأول:
1- التراب:
  1. "إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ". آل عمران: 59.
  2. "قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُ‌هُ أَكَفَرْ‌تَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَ‌جُلًا". الكهف: 37.
  3. "وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَ‌ابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا بِرَ‌بِّهِمْ وَأُولَـٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ‌ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ". الرعد: 5. 
  4. " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَ‌يْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ‌ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ‌ فِي الْأَرْ‌حَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَ‌دُّ إِلَىٰ أَرْ‌ذَلِ الْعُمُرِ‌ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَ‌ى الْأَرْ‌ضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَ‌بَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ". الحج: 5. 
  5. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَ‌ابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَ‌جُونَ". المؤمنون: 35.
  6. "قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَ‌ابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ". المؤمنون: 82.
  7. "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا أَإِذَا كُنَّا تُرَ‌ابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَ‌جُونَ". النمل:67.
  8. "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ‌ تَنتَشِرُ‌ونَ". الروم:20.
  9. "وَاللَّـهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ‌ مِن مُّعَمَّرٍ‌ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِ‌هِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ‌". فاطر:11.
  10. "أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَ‌ابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ". الصافات:16.
  11. "أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَ‌ابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ".الصافات:53.
  12.  "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". غافر:67. 
  13. "أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَ‌ابًا ذَٰلِكَ رَ‌جْعٌ بَعِيدٌ". ق:3.
  14. "كَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَ‌ابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ". الواقعة: 47. 
  15. "إِنَّا أَنذَرْ‌نَاكُمْ عَذَابًا قَرِ‌يبًا يَوْمَ يَنظُرُ‌ الْمَرْ‌ءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ‌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَ‌ابًا". النبإ: 40. 
  2- النطفة: معناه؛ نُدُوَّة وبَلَل (مقاييس اللغة)، وهي الماء القليل يَبقى في القِربة (لسان العرب). وهذا يعرفه كل أحد من خلال الملاحظة. وهو سائل يخرج من عضو الذكر بفعل الاحتلام أو الجماع أو الاستنماء. وهو مقدر (يُمنى) يدلُّ على تقديرِ شيءٍ ونفاذِ القضاءِ به، ويمنى أي يراق، ويمنى المني.
  1. "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ". النحل:4. 
  2. "قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُ‌هُ أَكَفَرْ‌تَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَ‌جُلًا". الكهف:37.
  3. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَ‌يْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ‌ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ‌ فِي الْأَرْ‌حَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَ‌دُّ إِلَىٰ أَرْ‌ذَلِ الْعُمُرِ‌ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَ‌ى الْأَرْ‌ضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَ‌بَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ". الحج:5.
  4. "ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَ‌ارٍ‌ مَّكِينٍ". المؤمنون:13.
  5. "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ‌ فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". المؤمنون:14.
  6. "وَاللَّـهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ‌ مِن مُّعَمَّرٍ‌ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِ‌هِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ‌". فاطر:11.
  7. "أَوَلَمْ يَرَ‌ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ". يس:77.
  8. "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". غافر:67.
  9. "مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ". النجم:46.
  10. "أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ". القيامة:37.
  11. "إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرً‌ا". الانسان:2. النطفة الأمشاج المختلطة، وهو كل شيئين مختلطين، فالسائل في هذه الآية مختلط مع شيء آخر. وهذا غير مرئي. وهنا الكلام عن اختلاط ماء الرجل مع ماء المرأة.
  12. "مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَ‌هُ". عبس:19. 

 ماء الرجل معلوم قال تعالى: " أَفَرَ‌أَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ". الواقعة: 58-59. فهو ملاحظ، وهو بحسب الآية مخلوق، وهو أصل الإنسان،  وبالمناسبة الرجل ينزل عدة أنواع من الماء، كالمذي، أما المني فلم يكن يعرف الناس أن هذا الماء فيه حيوانات منوية بأعداد كبيرة بالتأكيد، بل يعرفون أنه سائل له لون وكثافة ورائحة ويطلقون عليه اسم، وله دور ووظيفة في عملية التناسل. أما ماء المرأة، فهم يعرفون الماء المرأة الذي ينزل أثناء الجماع أو التفكير به، وهذا يمكن ملاحظته بسهولة، لكن ليس هو الماء المقصود بالبُييْضة بالتأكيد،  ولا هو الماء الخارج من فرجها. إذ لم يكن الناس آنذاك  علمٌ بالبوييْضة ولا بسائلها.
الماء المتعلق في الخلق:
  1. "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ". الأنبياء:30.
  2. "وَاللَّـهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ". النور: 45.
  3. "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرً‌ا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرً‌ا وَكَانَ رَ‌بُّكَ قَدِيرً‌ا". الفرقان: 54.
  4. "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ". السجدة: 8.  
  5. "أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ". المرسلات: 20.
  6.  "فَلْيَنظُرِ‌ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُ‌جُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَ‌ائِبِ". الطارق: 5-7.


   3- العلقة:
 والتعلق هو ان يناط الشَّيء بالشيء العالي(مقاييس اللغة)، وهذا الوصف لا يعلمه إلا النساء، حينما تعلم المرأة أن دورتها انقطعت فقد "تعلّق"، وإذا سقط الجنين في أيامه الأولى فهو يكون علق، وكل دم غليظ عَلَقٌ (لسان العرب). وهذا يعرف بالملاحظة عند انقطاع الحيض أو عند سقوط الجنين على هيئة دم غليظ.

  1. "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ‌ فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ".المؤمنون:14.
  2. "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ". غافر:67.
  3. "ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ". القيامة:38.
  4. "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ". العلق:2.  العلق هنا من التعلّق بالأشياء وهي صفة من صفات الإنسان لا مرحلة من مراحل تخليقه، كقوله تعالى: " خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِ‌يكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ". الأنبياء:37.
  5. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَ‌يْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ‌ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ‌ فِي الْأَرْ‌حَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَ‌دُّ إِلَىٰ أَرْ‌ذَلِ الْعُمُرِ‌ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَ‌ى الْأَرْ‌ضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَ‌بَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ". الحج:5. 
4- مضغة:
"ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ‌ فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". المؤمنون:14.
 والمَضْغة قطعةُ لحم والتشبيه لللصغر والقلة، وهي مرحلة يصير السائل القليل (نطفة) ثم يصير دمًا غليظًا (علقة) ثم يصير هنا (مضغة) قطعة صغيرة من اللحم. 
وهذه القطعة اللحمية قسمان: الأول: قسم يتشكّل منه الإنسان. الثاني: قسم يستمد منه الإنسان غذاءه، فالأول مخلّقة، والثاني غير مخلّقة.
وهنا تبدأ المراحل التي لم يكن الناس يعلمونها.
أ- مضغة مخلقة:

"أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَ‌يْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ‌ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ‌ فِي الْأَرْ‌حَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَ‌دُّ إِلَىٰ أَرْ‌ذَلِ الْعُمُرِ‌ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَ‌ى الْأَرْ‌ضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَ‌بَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ".الحج:5.


ب- مضغة غير مخلقة:
 
"أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَ‌يْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ‌ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ‌ فِي الْأَرْ‌حَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِ‌جُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَ‌دُّ إِلَىٰ أَرْ‌ذَلِ الْعُمُرِ‌ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَ‌ى الْأَرْ‌ضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَ‌بَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ".الحج:5.

5- العظام:
"وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ‌ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‌". البقرة: 259.
"ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ‌ فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". المؤمنون:14.
 
 6- اللحم:
"وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ‌ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‌". البقرة: 259.
"ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ‌ فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". المؤمنون:14.
 
7- خلقًا آخَر:
 
 "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ‌ فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". المؤمنون:14.
 
وهذا الخلق الآخر بالتأكيد تطور للجنين في داخل الرحم وليس بعد الخروج منه، وهي مرحلة توصف الجنين بالانتقال إلى خلق مغاير، دلّ عليه حرف "ثمّ" الذي يدل على الترتيب مع المهلة والتراخي. وهذه المرحلة لم يكن الناس يعلمونها.
لكن لا بدّ لي من القول إن النساء اللاتي يسقط جنينهنّ في مراحل متقدمة، يلاحظن تكوّن الجنين بحسب المرحلة التي وصل إليها، كما أن النساء اللاتي يعملن في مجال التوليد آنذاك يعرفن بعض تفاصيل تلكم المراحل، كما أن الأطباء أو الحكماء يعرفونها، ومع هذا فإن آيات خلق الإنسان في القرآن الكريم لا ينبغي أن يثار حولها مقالات الإعجاز والسّبقية، بل هي آيات فيها الدعوة إلى تواضع الإنسان، والدعوة إلى التفكّر والتوسّع في علم الأجنّة، ودعوة إلى الإقرار بعظمة الخالق الذي هو أحسن الخالقين في إشارة إلى أن غيره قد يخلق خلقًا، ومثاله قرآنيًا: " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ‌ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرً‌ا بِإِذْنِ اللَّـهِ". آل عمران: 49. "وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ‌ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرً‌ا بِإِذْنِي". المائدة: 110.
"فَتَبَارَ‌كَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". المؤمنون:14.
بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ
 
 

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

مرويات السيدة عائشة رضي الله عنها في البخاري


مرويات السيدة عائشة رضي الله عنها في البخاري
أولاً: عدد مروياتها

  بلغت مرويات السيدة عائشة رضي الله عنها (2210) منها (174) حديثًا متفق عليه. انفرد البخاري بـ (54) حديثًا ومسلم بـ (69) حديثًا. انظر: الفنيسان، سعود بن عبد الله، مرويات أم المؤمنين في التفسير، ط1، الرياض: مكتبة التوبة، 1992م، ص9.

أما ما أخرجه البخاري في كتابه عنها فبلغ  (892) روايةً، انظر: عبد الدايم، محمد سعد، أحاديث السيدة عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري، ص214.
وقد درستُ هذه الروايات حيث بلغ ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها فيما يخصّ أبيها "أبو بكر" الصديق رضي الله عنه (43) روايةً.

ونجد أن أكثر الروايات التي تروي السيدة عائشة رضي الله عنها شيئًا أوحدثًا عن أبيها تأتي بالكُنية (أبو بكر) إلا في مواضع قليلة تقول (أبي). مصرّحة بعلاقة الأبوة.
وقد وجدتُ مواضع ذكرها للعلاقة الأبوية (أبي)  قد جاءت محصورة جدًا ولها سياقها.

ثانيًا: مروياتها التي جاءت بصيغة (أبي)

(3-1) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : (( لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا قُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ :
                   كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ 
وَكَانَ بِلالٌ إِذَا أَقْلَعَتْ عَنْهُ يَقُولُ :
                   أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ 
                   وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ 
قَالَتْ عَائِشَةُ : (( فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ اللَّهُمَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ".
أخرجه البخاري في المرضى باب عيادة النساء الرجال (5222).
وفي المناقب باب مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (3633).
وفي المرضى باب من دعا برفع الوباء والحمى (5245).

(5-4)  عن عائشة: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْرَجَنِي، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَطَافَ في، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً، قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى.

أخرجه البخاري في الحوالات باب جوار أبي بكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم (2134).
وفي المناقب باب عجرة النبي صلى الله عليه وأصحابه (3616).


حادثة الإفك: 
(8-6)عن عائشة: -وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ-، بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَلَى وَاللَّهِ ، فَقُلْتُ لَهُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ، وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ، فَقُلْتُ لأَبِي أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبِي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، فَقُلْتُ لأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ، قَالَتْ أُمِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ..
أخرجه البخاري في المغازي باب حادثة الأفك (3826).

عن عائشة: -وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ-، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهْ، فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَقُلْتُ لأَبِي أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ، فَقُلْتُ لأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَتْ أُمِّي قُومِي إِلَيْه، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ..
أخرجه البخاري في تفسير القرآن باب "لولا إذ سمعتموه" (4381).

عن عائشة: أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ، وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ، وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي ؟، وَبَكَيْتُ فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي، فَقَالَ لأُمِّي: مَا شَأْنُهَا، وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ، فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي، فَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لا يَنْفَعَ، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى وَاللَّهِ..
أخرجه البخاري في تفسير القرآن وبوب به باب "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة".

ثالثًا: مروياتها التي جاءت بصيغة الغائب:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : (( أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ حِزْبَيْنِ فَحِزْبٌ فِيهِ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ ، وَالْحِزْبُ الآخَرُ : أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ بَعَثَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا ، فَسَأَلْنَهَا فَقَالَتْ : مَا قَالَ لِي شَيْئًا ، فَقُلْنَ لَهَا : فَكَلِّمِيهِ ، قَالَتْ : فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا ، فَسَأَلْنَهَا فَقَالَتْ : مَا قَالَ لِي شَيْئًا ، فَقُلْنَ : لَهَا كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ ، فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا : لا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلا عَائِشَةَ ، قَالَتْ فَقَالَتْ : أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَتْهُ ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّةُ أَلا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ ، قَالَتْ : بَلَى ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ ، فَقُلْنَ : ارْجِعِي إِلَيْهِ ، فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ ، فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ ، وَقَالَتْ : إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ، فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا ، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ ، هَلْ تَكَلَّمُ ، قَالَ فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا قَالَتْ فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ : إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ.
أخرجه البخاري في الهبة وفضلها باب من أهدي إلى صاحبه وتحرى ض نسائه (2393).


عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (( دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا )).
أخرجه البخاري في الجمعة باب سنة العيدين لأهل الإسلام (899).

عَنْ عَائِشَةَ : (( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنَى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُمْ أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ يَعْنِي مِنْ الأَمْنِ )).
أخرجه البخاري في الجمعة باب من فاته العيد يصلي ركعتين (وكذلك النساء (934).
نلاحظ في الروايات السابقة جعلت عائشة تروي عن نفسها بصيغة الغائب، كأسلوب السيرة الذاتية بضميرالغائب. وهذا لا يعني أن خللاً أوكذبًا دخل الرواية.

مما سبق نجد أن الأصل أن تنادي السيدة عائشة رضي الله عنها أباها بكُنيته خصوصًا في الرواية عنه، ولا بدّ من مراعاة ظرف الرواية الحالة النفسية للراوية(عائشة). فكونها نادت أباها بكُنيته لا يعني أن الرواية مكذوبة وكذبها مفضوح!!
بل وجدنا أن خطابها (أبوي/أبي/أمي) إنما كان في موقف عاطفي كطلب مساعدة لاستدرار العطف والحنان. وهذا يدركه من له قدرة على تخيّل موقف عاطفي سليم.

بوركتم جميعًا
ولكل مجتهدٍ نصيبٌ