السبت، 8 أغسطس 2015

ما علاقة العقل بالدين؟

ما علاقة العقل بالدين؟
ينبغي قبل الإجابة على هذا التساؤل أخي الحبيب أن نفكّك مصطلح [الدين] كمدخل للإجابة. وبُغية تحديد فضاءات الدين ومجالاته.
الدين بالمعنى الشائع يقصد به قرآنيًا الالتزام لله تعالى بالتعظيم والطاعة، وأهم عنصرين في الدين هما "الوحي"، و"الحكمة".
"الوحي" مصدره مطلقٌ غيبيٌ (غيب الغيوب)، ففي الوحي جزءٌ من الغيب أسمّيه "الوحي غير المعقول"، فلا محلّ للعقل فيه. لأنه فوق التعقّل.
على أن بعض أجزاء "الوحي" يدخل فيه العقل كآلية للفهم والتدبّر والتفكّر وهو "الوحي المعقول". وهي مقدّمات للوقوف عند عتبة "الغيب المطلق" إقرارًا وتعظيمًا. بمعنى أن الإيمان بالغيب لا يكون تسليمًا هكذا، بل بالتوسّل بأجزاء "الوحي المعقول" الدّالة على "الوحي غير المعقول".
يكمن دور العقل كآلية في ترتيب العلاقة وتفاعلها ما بين "الوحي المعقول" و"الحكمة" وهذا من وظائف الرسول النبي عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه وسار على دربه.
وإذا أردنا الدخول في فضاءات الدين بالمعنى الشائع، ففيه "الوحي غير المعقول" من أخبار: فيما يعلق بالله تعالى وكل ما أسند إليه من اسم أو فعل. وعالم الملائكة والجن والجنة والنار والحكمة الكلية للقدر.
وفيه "الوحي غير المعقول" من أوامر: كالصلاة وأوقاتها وأعداد ركعاتها وهيئاتها.
وفيه "الوحي المعقول" الذي دلّ عليه النص بالإشارة أو الإماءة، أو استنباطًا أو استقراءً.
لذا من يظنّ أن العقل لا مدخل له في الدين [بتاتًا] فهو مخطئ، ومن يظن أن العقل له مُدخلية [كاملة] في الدين فهو مخطئ أيضًا. فالدين الحق لا يخالف العقل الصارم، لكنه قد يكون فوق إدراكاته، فثمّة فرق بين أن يكون مخالفًا له وبين أن يكون فوق الإدراك.
بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

الجمعة، 7 أغسطس 2015

مزالق [التّخيّر] ومدارك [التّدبّر]

مزالق [التّخيّر] ومدارك [التّدبّر]

إن أي كلام حتى يُفهم بالشكل الصحيح لا بدّ من قراءته ضمن سياقه التركيبي، وسياقه الزمني، ثم بعد ذلك ضمن مقصد المخاطَب.
وفيما يتعلق بالقرآن الكريم فإن أي قراءة تدّعي العصْرية أو المحبة والسلام ولا تراعي السياق القرآني ومقاصده فهي قراءة "عضينية".
أن من "يتدبّر" جميع آيات القرآن الكريم ولا "يتخيّر" بعض آياته يدرك تمامًا أن اللفظ ذاته قد تتغير دلالته تبعًا للسياق.
ومن المحاولات أو بالأحرى من مزالق "التّخيّرية":
1- جهود ترى أن هناك تعادل بين "الكون" و"القرآن" بحيث أن الكون هو المعادل الطبيعي للقرآن!! إذ ليس في الكون تطابق وتماثل، بل التنوع والاختلاف والتكامل، وعليه فكل لفظة قرآنية لها قيمتها ووزنها، ولا تتغير دلالاتها وفق سياقها، بل تبقى دلالاتها ثابتة في كل موضع في القرآن!!
وهنا نرى تعطيل لحقيقة أثر السياق منهجيًا، كما أن دعوى التعادل ما بين الكون والقرآن دعوى عريضة، ويكأنهم استقرأوا الكون كله، فوجدوه في كل جزئية لا يتماثل، لكنهم لو استقرأوا المتاح وهو ألفاظ القرآن الكريم لعلموا أن اللفظ قد يتغير وفق السياق. فحجتهم داحضة. وإن كانت الفكرة مغرية.

2- جهود ترى أن اللفظة هي التي تحكم السياق ولا يحكمها السياق، بدعوى "رياضية اللغة القرآنية"، بحيث أن كل لفظ له دلالة واحدة أينما كان، وعليه تكون الدلالات متساوية لعدد الألفاظ!!

3- جهود قامت بنفي الترادف -علمًا بأن الترادف لا يقصد به عند التحقيق التطابق الدلالي للمفردة- ولكن عند الاستقراء نجد بوضوح أن الترادف "الوصفي" موجود وقائم، وهو الألفاظ التي توصف حالة أو شيء معين لكن باعتبارات بحسب السياق أو القصد من الخطاب.
والقاعدة هي: [الزيادة في المبنى تفيد زيادة في المعنى] كما هو معروف، لكنهم سحبوا كل لفظة في القرآن على دلالة واحدة دون مراعاة السياق.
فأكيد لفظ (الله) مختلف عن لفظ (رب)، ولفظ (الرحمن) مختلف عن لفظ (الرحيم) لكنها بحسب السياق تدل على مدلول واحد، كما أن لفظ (رجال) لا يعني دلالةً (رجال) في كل موضع في القرآن، فمرات عديدة يفيد جنس الذكور، ومرة يفيد (المشاة المترجلين) فالسياق هو الحكم.

4- وأخيرًا جهود تقتصر على الألفاظ القرآنية وحدها، على اعتبار أن أي جذر قرآني يفيد دلالة واحدة فقط، فمثلا:
(زنى، وزنوا بالقسطاس، زينة) تفيد كلها (من يزن الأمر لصالح نفسه)!!
و(وأكيد كيدًا، ويكيدون، وأكاد أخفيها) كلها من الجذر (ك ا د) وتفيد (التأكيد والحتمية في الأمر)!!
و(العصى والمعصية وعصاك وعصاني وعصيته وعصوا وعصيتم) كلها من الجذر ( ع ا ص) كلها تفيد الإدراك!!
إن أي محاولة لقراءة القرآن الكريم بمنأى عن السياق، إنما هي قراءة تحيّزية، وممارسة للأغاليط، بالرغم من دعاوى المحبة وإرادة نشر السلام.
مشكلة العقل العربي ينتقل من تطرّف في القراءة "الضيّقة" إلى تطرّف نحو القراءة "الفوضوية". وذلك إما بسبب ردّات الفعل أو غياب المنهج المنسجم.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

لغة البشر بشكل عامّ وأغلبي مستقلة عن الموجودات

لغة البشر بشكل عامّ وأغلبي مستقلة عن الموجودات
إن اللغة هي دلالة رمزية للموجود الخارجي، لا علاقة كاملة بين اللغة والموجود ولا ارتباط كلي ولا تقابل بين التصورات "الذهنية" والأعيان "الوقائع الخارجية"، قد تجد بعض صور التقابل في الألفاظ ذات الأحرف المتكررة (زلزل، دمدم، دندن، تمتم..الخ)أو بعضها (خضم للرطب قضم لليابس)، إذ حقيقة اللغة هي نظام قائم على المواضعة. والمواضعة قائمة بشكل عام على ما اتفق (اعتباطي) لا وفق نظام منسجم.
ولو كان هناك ترابطًا حقيقيًا وكليًا بين اللغة والموجود الخارجي لكانت كل اللغات في العالم لغة واحدة، أو لغة البشر ستكون على الدوام واحدة. وهذا غير حاصل بل بينهما مشتركات إما بسبب التناقل أو بسبب وجود الترابط اللغوي مع الوجودي وهي قليلة.
بينما لغة الحيوان فهي دلالة مشاعر وغرائز، فهي لا تختلف من مكان إلى مكان ولا زمان إلى زمان، فأصوات [القطة] في فلسطين وتعبيراتها مثل القطة التركية والماليزية. بينهما تعبيرات البنت في فلسطين ولغتها تختلف عن البنت التركية أو الماليزية.
ومن هنا فإن النظام الذي يقوم عليه القرآن الكريم لا يمكن أن يفهمه مَن ليس له مشْغلة بنظامه، ولا صحة لدعوى أن القرآن يفهمه كل إنسان، فبتجربة بسيطة يستطيع أن يقوم بها كل شخص، خذ أي آية قرآنية أو مقطع منها، وأعرضها على صيني أو ماليزي أو تركي أو فرنسي أو كندي ممن لم يتعلموا اللغة العربية قط، وأسألهم كلاً باللغة التي يفهم: "ماذا فهمت من المقطع"؟. فستعلم حقيقة الدعوى.
القرآن الكريم مقاصده العليا هي للعالمين لا ألفاظه ولا دلالاته، انتبهوا إلى المقاصد ولا تتوقفوا على الألفاظ.
بوركتم جميعًا 
ولكل مجتهدٍ نصيبٌ

معضلة وجود الشر ودور الخالق إزاءها


معضلة وجود الشر ودور الخالق إزاءها
يستحضر البعض مقولة أبيقور التقليدية حول معضلة الشر، فالشر موجود والإله إما أنه يدري أو لا يدري، فإن كان لا يدري فهو إله (جاهل)، وإن كان يدري، فإما أنه قادر لكنه لا يريد منع الشر أو غير قادر، وعليه فيكون الإله في الحالة الأولى (شرّيرًا)، وفي الآخرة (عاجزًا). وفي كل الافتراضات فهو إله إما (جاهل) أو (عاجز) أو (شرّير) لا يستحق أن نؤمن به ونحن نرى العالم يعجّ بصور كثيرة من الظلم والشرور والمعاناة.
لن أدخل في جدلية تحديد مفهوم الشر، بل سأكتفي بالقول إن الشر في عالم الدنيا نسبي لا محض، وبما أن الخالق تعالى وصف نفسه بثنائية ككونه رحيمًا ورؤوفًا، وشديد العقاب وذا انتقام، فإن عالم الوجود ذو طبيعة أيضًا ثنائية، خير وشر، ألم ولذّة. كما أن عالم الآخرة فيه سعادة (الجنة)، وفيه شقاوة (النار).
ولن أدخل في قضية هل الشرور مخلوق؟ أو كون الشرور ذاتية أو عرضية؟ واقعية أم اعتبارية؟ وجودات أم أعدام؟ (أوردها الدكتور عدنان في خطبة له بعنوان الله عاجز أم شرير؟!) ولا قضية الابتلاء، وأن هذا العالم هو مرحلة من مراحل الحياة، وليست آخر المطاف. أو قضية التوازن البيئي والحيوي(أوردها الدكتور عدنان في خطبة له بعنوان الله عاجز أم شرير؟!). وأن الشر يحرّض على إنهاض البشر وتطوير القدرات. وأن عدم وجود المعاناة ينمّي عند الإنسان الطغيان.
ولكني سأدخل من خلال النظام الذي يحكم العالم من قوانين التي لا يختلف عليها عاقلان: "وخلق كل شيء فقدّره تقديرًا". الفرقان:2.
فالألم والمعاناة مسبّباتها اثنان:

سبب داخلي: الشخص نفسه لنفسه، أو قد يسبّبها سببٌ خارجي، شخص لشخص آخر، أو حيوان أو مرض أو بركان أو حادث سير الخ.
السبب الداخلي: يتحمل مسئوليته الإنسان نفسه: "كل نفس بما كسبت رهينة". المدثر: 38.

السبب الخارجي: ويتحمّل مسئوليته الإنسان الواعي. فمثلاً حركة انزلاق سيّارة بسبب عُطل مفاجئ فيها عن مسارها إلى مسار المشاة يحكمها القوانين الفيزيائية، ويحكم المشاة الوعي. فإذا غاب الوعي من الماشي ولم يتحكم بقوانين الفيزياء لحركة السيارة يحصل الحادث، وتتولد المعاناة للسائق وللماشي أو لأحدهما. فالمسبّب الوجودي هو القوانين لا الله تعالى.
ومثل ذلك البراكين والزلازل فهي ظواهر غير عاقلة لا واعية، حينما تثور أو تضطرب لا تميز بين كبير أو صغير أو مؤمن أو ملحد. بل تسير وفق موجات فيزيائية أو قوة دفع معينة، والإنسان الواعي هو المسئول عن تجنب مثل هذه الظواهر.
ومثله أيضًا الأمراض، وهي كائنات دقيقة لها قوانين تحكمها من حيث النشاط والانتشار أو التقوقع، وعلى الإنسان الواعي تجنّب هذه الأمراض، أو أخذ المضادات الحيوية.
مما سبق نلاحظ أن الكون يحكمه قوانين، وعلى الإنسان أن يكتشف هذه القوانين، بحيث يتجنّب أعراضها السلبية، ويسخّر أعراضها الإيجابية، وأن يسلّط قانون على قانون لتحقيق سعادته.
وندرك الآن أن الذي سبّب المعاناة هو ((القوانين ووعي الإنسان الحرّ))، وبهذا نفهم موضوع القضاء والقدر، ويسقط قول من قال إن الله تعالى عاجز أو جاهل أو شرّير تعالى عمّا يقولون. بل إنه عالم كلي العلم، قادر كلي القدرة، وما يريد ظلمًا للعباد.

الطفل واقعيًا هو الشخص اللا واعي وعديم القدرة على الاختيار، وكل إنسان غير واعي أوعديم الاختيار فقوانين الكون ووعي الإنسان السيء (حالة اعتداء المعتدي) يفعل فعله فيه، وهنا يأتي مفهوم (القدر). فالطفل أو أي شخص لا واعي أو عديم الاختيار يكون محل فعل القوانين ووعي المعتدي، وهو شر بالتأكيد، لكن ليس الله تعالى هو المسبب له. بمعنى آخر الطفل أو بشكل عام اللاواعي أو عديم الاختيار الحر هو الحلقة الأضعف في نظام القوانين، لذا سيكون محل فعل القوانين، فإذا أسيء استخدامها فسيكون ضحيتها. لذلك لا علاقة لله تعالى بها ولا هو عاقبهم ولا رضي بذلك، وليس من اختصاصه التدخل لوقف نظام القوانين من أجلهم. بل المسئولية على الناس الواعين الأحرار. وهو مناط التكليف والخلافة في الأرض، لدفع الظلم عن المظلومين ونشر السلام والخير للبشرية جمعاء. فلا محلّ لاعتراض الملحد أو المتسائل بهذا الخصوص، فالقضية مرتهنة بالقوانين والمرء الحر الواعي. 
أثر الدعاء في رفع الشرور

التغيير لا يكون بالدعاء، إنما يكون بفهم وإعمال القوانين والسنن، وهذا جوهر الرسالة الخاتمة، ولما عطّل المسلمون فهم القرآن ورسالته، اقتصروا على الدعاء (التمتمة بكلمات مأثورة)، وحقيقةً فإن الدعاء إنما هو من أجل (التحفيز الذاتي) (حُداء العاملين لا ترانيم الكُسالى)، والتغيير الفعلي هو داخلي لا خارجي (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهذا يفسّر لنا تأخّر المسلمين وهزائمهم المكرورة لعدم فهمهم السنن. وما منصة رابعة عنكم ببعيد.

عالم الأفكار والأحرار

عالم الأفكار والأحرار:

المفكّر لا يرعي كثير اهتمام بالأشخاص أو بالأحداث بقدر ما يهتم بالأفكار كأسس ناظمة تندرج تحتها الشخوص والأحداث.
ومن هذه الأفكار التي أودّ مشاركتها معكم الآتي:
1- أيّ نظرية في أي حقل معرفي سنجد علماء مؤيدين ومنظّرين لها، وفي المقابل سنجد علماء معارضين، كلا الفريقين من حملة شهادة الدكتوراه، ومن الفريقين من حاز جائزة نوبل.
2- قد ينشط عالم في التنظير لفكرة ثم ما يلبث أن يتراجع عنها ويعمل على نقضها.
3- قد نجد عالمًا مخلصًا لأستاذه أو مدرسته مُددًا من زمن، ثم ينقلب معارضًا.
كل هذه تعتبر ظواهر، وبإمكان أي واحد فينا أن يعطي أمثلة وأسماء وأحداث لأي نقطة من النقاط الثلاث، لكن انتبهوا لا يمكن أن نعدّ أيًّا من هذه الظواهر دليلاً على الصحة أو الخطأ، فلا عبرة للعدد، ولا عبرة عن التراجع أو الاتقلاب، العبرة فقط في البرهان. فكل ما ذكر هو ظواهر لا يحتج بها كبرهان على صحة أو خطأ فكرة ما أو منهج معيّن.
بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

حقيقة التقدير لا نظرية التطور ولا التطوير

- قال بعضهم: التطوّر.
- قال بعضنا (مصطفى محمود وعمرو شريف وعدنان إبراهيم وغيرهم) : التطوير.
- قال الله تعالى: التقدير.
فالخلق كله من الذّرة إلى المجرّة يسير وفق [حقيقة] "التقدير"، لا وفق [نظرية] "التطوّر" أو "التطوير". التي قد تعمل في مجال دون آخر.
قال تعالى: "وخلق كل شيء فقدّره تقديرًا". الفرقان: 2.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

السبت، 18 يوليو 2015

مناظرة مع ابن القيّم -رحمه الله تعالى حول آية من كتاب الله تعالى:

أفلا يتدبرون القرآن؟!
مناظرة مع ابن القيّم -رحمه الله تعالى حول آية من كتاب الله تعالى:
"فلا أقسم بالخُنّس"
قال تعالى:
"فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ –جبريل- * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ –محمد- بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ –محمد رأى جبريل- بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ –القرآن- بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" . التكوير: 15-29.
ذهب المفسرون في تفسيرهم (الخُنّس) إلى خمسة أقوال:
أحدها: أنها خمسة أنجم تَخْنُس بالنهار فلا تُرى، وهي زُحَل، وعُطَارد، والمشتري، والمرِّيخ، والزُّهرة، قاله علي، وبه قال مقاتل، وابن قتيبة. 
والثاني: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة على الإطلاق، وبه قال أبو عبيدة.
والثالث: أنها بقر الوحش، قاله ابن مسعود.
والرابع: الظباء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير.
والخامس: الملائكة، حكاه الماوردي.
والأكثرون على أنها النجوم.
وبالإجمال فآراؤهم ترجع إلى ثلاثة؛ إما المراد بالخنس: النجوم أو الوحوش أو الملائكة، والأكثرون على أنها النجوم.
وقد رجّح الإمام ابن القيّم مذهب الأكثرين، وردّ تفسير مَن قال إنها (الوحوش)، حيث قال: "وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه :
(أحدها): أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة.
ويرد عليه أن الله عز وجل له أن يُقسم بما شاء، ثم أن السياق القرآني هو ما يُحدد المقصود باللفظ، وإن كان حمل اللفظ على معنى خارج السياق أقوى آية وعبرة، فالعبرة بالسياق القرآني، وليس دلالة اللفظ وقوتها. كما في قوله تعالى: "والنجم والشجر يسجدان" فسجود النجم الذي في السماء أعظم آية وأقوى عبرة، من النجم الذي هو –النبات الذي لا ساق له- لكن السياق القرآني هو ما يُحدد المقصود من النجم. وإن كان كل من النجم والشجر يسجد لله العظيم. قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ".
(الثاني): اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان.
وهذا كذلك يستوي مع مَن قال إنها الوحوش، فلا يخفى على أحد أن البقر أو الظباء أو الحُمُر الوحشية تخنس –من الرجوع - عند حالة الخوف من المفترس، ثم تسرع في هروبها ورجوعها –تجري/ الجواري- ثم تكنس؛ أي تحاول –الاستتار - والاختفاء من عدوها. وهذا كله لا يخفى على أهل الأرض.
(الثالث): أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقًا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات.
أقول: ليس المراد من اختفاء الوحوش في الآية عن أعين الناس، بل عن أعين مفترسيها.
(الرابع): إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء. قال الواحدي: هو من الخنس في الأنف؛ وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة، والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس. ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها، ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل وأكثر الناس لا يعرفونه، وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق، وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر.
أقول: كلام بعض المفسرين على أن معنى الخَنَس هو الاختفاء والاستتار، عن ابن عباس: البقر تكنس إلى الظل، وقول آخر عنه: هي الوحش تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه. عن مجاهد: هي الظباء إذا كنست كوانسها. أي؛ تغيب في المواضع التي تغيب فيها.
(الخامس): أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا أظهر منه حتى يتعين للقسم.
هذا صحيح، ولكن السياق القرآني أراد كنوس الوحوش لمقصد عظيم، سيتبيّن بعد قليل- لذا خصّه وأقسم به.
(السادس): أنه لو كان جمعًا للظبي لقال: الخُنْس - بالتسكين - لأنه جمع أخنس فهو كأحْمر وحُمْر، ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضًا كحمراء وحُمْر فلما جاء جمعه على فُعَّل - بالتشديد - استحال أن يكون جمعًا لواحد من الظباء والبقر، وتعين أن يكون جمعًا لخانس كشاهد وشُهَّد وصائم وصُوَّم وقائم وقُوَّم ونظائرها.
هذا أيضًا صحيح، فالله أقسم بمخلوق من مخلوقاته–الوحوش-، وصوّر حالةً من حالات هذا المخلوق، حالة تعرضه لخطر الافتراس، فذكَر سبحانه الحالات التي تعتريه، وهذا ما أراده. وقد ورد في حديث صحيح أن المقصود بالخُنّس البقر، إذا أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي ميسرة قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: في قوله عز و جل: {فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس} قال: "هي بقر الوحش" .
(السابع): أنه ليس بالبيّن إقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عُرف القرآن ولا عادته، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه، كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية، ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن، ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفها وهو الليالي العشر، وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله :{فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون} وقوله {الذكر والأنثى} في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.
لكن من المعلوم أن الله العظيم يُقسم بما شاء من مخلوقاته. بل قد أُقسم الله تعالى بالبهائم، كقوله تعالى: "والعاديات ضبحًا" على اختلاف بين المفسرين في المقصود بها (الإبل- الخيل)، وكذلك في قوله تعالى: "والصافّات صفًّا". على قول مَن قال إنها الخيل.
(الثامن): أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم، وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد. وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم، فقال: هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش.
متعلقات المُقسَم عليه –الخُنس/ الوحوش هي (الجواري –الكنس)؛ الهاربة المختبئة، انتهت في السياق، وبعد ذلك انتقل إلى موضوع جديد لا اقتران لفظي بين السابق له واللاحق به، بقوله: "والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس". فالقسم بالخُنّس مقترن بالقسم بالليل والصبح من حيث الدلالة لا الوصف، فحمل معنى الخُنّس على النجوم التي ترجع وتغيب يتناسب مع الليل والنهار في الإقبال والإدبار، حمل يُضيّع المعنى الأدقّ والأعمق. إذ المقصود بالقسم الأخير "والليل إذا عسعس* والصبح إذا تنفّس" أن ظلمة الجهل والشرك ستزول بنور الوحي والنبوة. فالليل كناية عن الجهل والشرك، والصبح كناية عن الوحي والنبوة. ووجه الاقتران بين القسم بالخُنّس (حالة الحُمر عند الخوف -النفور والفرار-) والقسم بالليل والصبح (حالة زوال الجهل والشرك وانتشار العلم والتوحيد)، وهو المسبب لكلاهما فالمسبب لفرار الوحوش هو المفترس، والمسبب لزوال الجهل والخوف هو الوحي والنبوة، فالمفترس –كما توهّمه الكفار- هو النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي بيان ذلك قريبًا.
(التاسع): أنه لو أراد ذلك سبحانه لبيّنه وذكر ما يدل عليه، كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام}، وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء، وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها.
بل معرفة مقصود الله تعالى بحاجة إلى مزيد تأمل وتدبر. "أفلا يتدبّرون القرآن"؟؟!
(العاشر): أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه- وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب، وداحض لشبهات الشيطان- أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن. والله أعلم.
هذا الاستنتاج طبيعي تِبعًا للمقدمات التي استعرضها. لكن بالتدبر سنجد ارتباطًا أقوى بإذنه تعالى.
قلنا إن الله العلي العظيم أقسم بمخلوقاته الوحوش وذكر بعض حالاتها، وهي حالة الخوف من مفترسيها، فحالتها ساعتئذٍ الرجوع عن طريق مفترسيها والهروب منها والاختفاء عنها، وهذه الحالة هي ذاتها حالة الكفار تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "
فَمَا لَهُمْ –الكفار- عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ–مفترس أو عدو-" .
فالكفار –بوهْمهم- حالهم مع نبيّهم عليه الصلاة والسلام كحال الحُمُر والوحوش مع المفترس، والفارق أن النبوة والوحي ليس كما يتوهّمون لجلب المفاسد عليهم وشقائهم، بل هو في الحقيقة لجلب المنافع لهم وسعادتهم، كما أن الرابط بين حالة الكفار (الخُنّس-الجواري- الكنّس) مع المقسَم عليه –القرآن الكريم- قوله تعالى: "فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" .
إذ حالة الكفار مع ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام –القرآن- الإعراض عنه الخَنس فهم (خُنّس)، والفرار منه فهم (جواري)، والاختفاء منه فهم (كُنّس)، وما ذاك إلا بسبب توّهم أصابهم تجاه القرآن، والحقيقة أنه هداية له ورحمة، لذا فهم يُناديهم: أين تذهبون؟ ويقول لهم: "كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ" .
ونلاحظ هنا الترابط القوي في السياق القرآني في سورتي المدثر والتكوير بين حالة هروب الحُمُر من الأسد، وحالة هروب الكفار من القرآن، فالحُمُر تفرّ حفاظًا على حياتها، لكن الكفار يفرّون حفاظًا على مصالحهم، والحقيقة أن هذا توهّم منهم، إذ المصلحة كل المصلحة باتباع القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم. إذ بذلك سيزول الجهل والشرك، وتنمحي الضلالة والفرقة والذلة، وسينتشر ويستقر العلم والتوحيد، وتعُمّ الهداية واللُحمة والعزة والكرامة.
بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ