الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

"الأنا" و"الآخر" المواقف والعلاقات بين الأصالة والحداثة



"الأنا" و"الآخر" المواقف والعلاقات بين الأصالة والحداثة
إعداد: إياد محمد أبو ربيع

تشكل المرحلة الراهنة في التاريخ العربي الإسلامي درجة بالغة الأهمية، لاسيما وأن الحضارة الإنسانية قد صعدت درجات كثيرة في سلّم الترقي والتحضر، وقفزت قفزات هائلة عن التحديات والأزمات، بينما ظل الطموح يراود أرباب التحضر العربي، وبقيت الخواطر تعصف في أذهانهم، فهناك فجوة عميقة طويلة وعريضة، يصعب رأبها إذ اتسعت على الراقع.

أرباب الحضارة الإنسانية في الوقت الراهن هم "الآخر"، وقد كان منذ فترة أربابها "أنا" أو "نحن" كصيغة تعظيم، ولسنا نحاول في هذا الصدد أن نجيب عن التساؤل لماذا هذا التراجع والتقهقر، ولكننا من محاولة فهمنا لماذا هذا التقدم لـ"لآخر"، ستُتاح لنا إجابة أشمل وأوفى.

مما لا ريب فيه أن العالم اليوم يقترب أكثر مكانًا واتصالاً وإنسانًا، بحُكم العولمة، وهذا يعني أن الناس سيشكلون خليطًا فسيفسائيًا، تتداخل فيه الثقافات والعادات والديانات واللغات، وهذا قد يضر بالشخصية الذاتية لكل ثقافة، ويُشعر بالخوف من الذوبان، أو الاندماج، وربما يقود إلى مزيد تقوقع على الذات، وهذا الأخير يؤدي إلى التخلف؛ لأن الاحتكاك مع "الآخر" يعرّف "الأنا" على ما ينفعه وما يضرّه.
إن المرجو من هذه السيرورة أن يكون الخليط متجانسًا يفعّل الطاقات، ويُفرز الابتكارات والمخترعات، وهذا الرجاء والأمل لا يكون إلا ضمن أُطر عامة محددة تحكم هذا النمط العالمي الجديد "العولمة"، وإلا كان المصير انفجار بشري هائل يقضي على الجميع.

وبما أن "الأنا" ضمن المجموعة البشرية –بغض النظر عن موقعها الحضاري الفعلي- وتزعم أن لديها رسالة حضارية للإنسانية، إذ ترى في نفسها أنها خير أمة أُخرجت للبشرية، وهذا بقي على الأقل حتى اللحظة محض ادعاء، وليس له مكان متقدمًا في الخارطة الحضارية الإنسانية.

وليس من نافل القول إن "الأنا" العربي المسلم ليست كيانًا واحدًا ولا فكرًا محدّدًا، فـ"الأنا" اليوم مجموعة من الكواكب تدور حول شمس المركز (القرآن)، وهذا يجعل كلمتها متفرقة، وطاقاتها متفككة، مما يعيق حركة بنائها فضلاً عن بناء البشرية، لكن ضمن هذه الكواكب ظهرت كواكب وُجد فيها "ماء الحياة" إصلاحية، تَصلح أن تكون نواة جيدة للارتقاء بسائر الكواكب، إذا بذرت في تربة خصبة، وتهيئت لها أسباب النجاح، وأخذت زمام المبادرة وانطلقت.

هذه النواة من المفكرين الإصلاحيين عبر التاريخ الإسلامي العربي، استطاعت إلى حد ما، أن تُعطي صورة واضحة عن "الأنا" الواقعية، و منحت قراءةً تقييمية للـ"آخر". وحاولت التوفيق مع "الآخر" بغرض التلاقح الفكري بُغية توزيع الإنتاجية الحضارية على البشرية بشكل عادل وفاعل.
لكن هذه المحاولات بقيت ضعيفة وقليلة، خصوصًا أن المحيط العام والفكر السائد في معظمه يغرف من معين الماضي، وينظر إلى "الآخر" على أنه حسود حقود، وأنه أخطر عليه من النسور والأسُود. ساعد على ذلك بروز الاستعمار وأدواته، وبرهن على صحة نظريته الغطرسة الإمبريالية.
وهذا الاندفاع الإمبريالي والجشع والطمع، هو الذي حال دون توفر حالة التعايش السلمي، وزرع بذور الخلافات، وما يُسمى بـ "صراع الحضارات"، وما تشهده الإنسانية اليوم حصاد ذلك كله.

لكن من قناعتنا من أن الإنسان هو الذي يصنع تاريخه، وليس عجلة التاريخ مَن تتحكم فيه، فينبغي أن نعيد الأمور إلى نصابها، فنتفهّم واقع "الأنا" بمستوياتها، ومكانة "الآخر"، كي يصبح الحلم حقيقة، والطموح واقعًا، نحو حضارة إنسانية متعايشة.

وتشكل هذه الدراسة مشاركة في بناء هذا الطموح، فهي تتناول بالدراسة والفحص علاقة "الأنا" بـ"الآخر" الداخلي، وكذلك بـ"الآخر" الخارجي، وقياس درجة التوتر بينها أو الاستقرار، والسبل التي ينبغي توفرها في سبيل بناء حضارة متوافقة لا عدائية.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

خلفاء الأرض لا خلفاء الله تعالى




ورد الجدر (خلف) في القرآن الكريم في (64) كلمةً على مجموع تكرار (127) مرّة. على النحو الآتي:
أَخْلَفُوا (1)، أَخْلَفْنَا (1)، أُخَالِفَكُم (1)، اخْتَلَفَ (2)، اخْتَلَفُوا (9)، اخْتَلَفْتُم (1)، اخْتِلاَفًا (1)، اخْتِلاَفُ (1)، اخْتِلاَفِ (1)، اخْلُفْنِي (1)، اسْتَخْلَفَ (1)، الْخَالِفِينَ (1)، الْخَوَالِفِ (2)، الْمُخَلَّفُونَ (3)، تَخْتَلِفُونَ (6)، تُخْلَفَهُ (1)، تُخْلِفُ (1)، خَلاَئِفَ (4) خَلَفْتُمُونِي (1)، خَلِيفَةً (2)، خَلْفٌ (2)، خَلْفَكَ (1)، خَلْفَكُم (1)، خَلْفَنَا (1)، خَلْفَهَا (1)، خَلْفَهُم (7)، خَلْفِهِ (4)، خَلْفِهِم (5)، خُلَفَاءَ (3)، خُلِّفُوا (1)، خِلاَفٍ (4)، خِلاَفَ (1)، خِلاَفَكَ (1)، خِلْفَةً (1)، فَأَخْلَفْتُكُم (1)، فَأَخْلَفْتُم (1)، فَاخْتَلَفَ (2)، فَاخْتَلَفُوا (1)، فَاخْتُلِفَ (2)، فَخَلَفَ (2)، لاَخْتَلَفْتُم (1)، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم (1)، لِلْمُخَلَّفِينَ (1)، مُخْتَلِفًا (4)، مُخْتَلِفٌ (3)، مُخْتَلِفٍ (1)، مُخْتَلِفُونَ (1)، مُخْتَلِفِينَ (1)، مُخْلِفَ (1)، مُسْتَخْلَفِينَ (1)، نُخْلِفُهُ (1) وَاخْتَلَفُوا (1)، وَاخْتِلاَفُ (1)، وَاخْتِلاَفِ (3)، وَيَسْتَخْلِف (1)، وَيَسْتَخْلِفَكُم (1)، وَيَسْتَخْلِفُ (1)، يَتَخَلَّفُوا (1)، يَخْتَلِفُونَ (10)، يَخْلُفُونَ (1)، يُخَالِفُونَ (1)، يُخْلِفَ (2)، يُخْلِفُ (4)، يُخْلِفُهُ (1).


وما يهمنا الآن هو دلالة مصطلح خليفة (2) وجمعها خلائف (4) وخلفاء (3). 
فالإنسان خليفة في الأرض بعد أن أهلك الله تعالى الخلق المُفسد السفّاك للدماء وهو السابق على خلق آدم عليه السلام.
فنحن ((خلفاء في الأرض)) لمن سبقنا لا "خلفاء الله في الأرض". فالخلافة تكون على مكان وتكون استبدالاً لأقوام.
قال تعالى: 
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً] قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". البقرة: 30.
"وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ". الأنعام: 133.

"وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ] كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". النور: 55.

ونحن خلفاء الأرض قال تعالى:
"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ [خُلَفَاءَ الْأَرْضِ] أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ". النمل: 62.

لذا فإن مصطلح "خلفاء الله في الأرض" لا يصحّ، ولا يحقّ لأيّ شخص أو مذهب أو حزب أو تنظيم الزعم بأنه "خليفة الله في الأرض"، أما مصطلح "خليفة المسلمين" للدلالة على منصب رئيس المسلمين فهو مصطلح تاريخي، والألقاب والمسميّات ليس لها قداسة، والأوْلى بالمسلمين أن يأخذوا بأسباب التقدّم والتحضّر، بدل تغنّي بعضهم بالشعارات واستحضار اللافتات التاريخية كـ"الخلافة". 
إن شباب الأمة الواعي بحاجة إلى حقائق الأشياء لا الشعارات واللافتات.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

العنف في الكتب الإلهية نظرة مقاصدية



العنف في الكتب الإلهية نظرة مقاصدية
لا يمكن غض الطرف عن وجود العنف في الكتب الآلهية (التوراة/الأنجيل/ القرآن) مع الإقرار بوجود تفاوت في حجم هذا العنف بين هـذه الكتب، مهما يكن فإن الفريق المنكر لوجود مستويات من العنف في الكتب الإلهية إنما مثلهم كمثل من يغطي عينيه والشمس في رابعة النهار، والفريق الذي ينزع إلى الرمزية في تفسير النصوص يضرب سياق النص بهدف تجميل النص.
وفي المقابل يرى فريق أن النصوص الإلهية تدعو أو تبرّر العنف على مستوى أقل وهو الإنجيل، فهذه الكتب من وجهة نظر هذا الفريق دمّرت الحضارة وأفسدت الإنسانية، فلا حاجة لنا لهذه الكتب بل علينا بالعلوم والمعارف، ولنترك "المنابر" إلى "المخابر".

في ظل هذه الآراء المتباينة يجد فريق قليل العدد كبير التأثير هذه النصوص التي يحوي في طياتها العنف مادة خصبة لتبرير إجرامه وطغيانه. وهذا ليس محصورًا في دين دون دين، فظاهرة "داعش" تبرز في كل ديانة حينما يفقد الأتباع البوصلة في فهم النصوص، ويغذيها بالإضافة إلى الجهل الشعور بالظلم والاضطهاد فتكون الممارسات والمآلات كارثية على المخالفين لهم.

سآلني البعض هل الله تعالى "صاحب مزاج"؟ هل الربّ يُغيّر منهجه من سلم إلى حرب؟
الفكرة التي أنطلق منها هي أن القيَم في ذاتها ليست مطلقة بل هي نسبية، فالعنف التي يدعو الله/الرب إليه في زمن موسى أو يوشع عليهما السلام هو في ذات الوقت رحمة بالمقارنة مع ممارسات الامبروطوريات في ذلك الوقت، حيث التحريق وقطع الأشلاء واغتصاب النساء...ومثله يقال في ممارسات الرسول النبي محمد واستخدام العنف مع "الأعداء" وليس "المخالفين"، فهو عنف وفي ذات الوقت هو رحمة نسبية في ذاك العصر.
لذا فمن الخطأ المنهجي سحب ظروف الماضي إلى العصر الحاضر ومحاكماتها وفق الأعراف الحالية والقيَم التي توصلت إليها الإنسانية اليوم.

كما أن الخطاب والتوجيه الرباني يناسب عصر التنزيل وظروفه ويعالج القضايا "عمليًا"٫ فقيمة الرحمة تتطوّر وتأخذ عدة أطوار، فالقاتل مثلاً يُقتل هو فقط ولا يُقتل جميع عشيرته، وهذا عنف مصطبغ بالرحمة، لكنه أكثر رحمة إذا ما قارناه مع قتل القاتل وعشيرته. ولكنه في ذات الوقت يكون رحمة نسبية أقل إذا ما قارناه مع حبس القاتل وحده دون قتله. فهذا سيغدو أكثر رحمة من العقوبة التي سبق ذكرها. لذا فالقيَم تتقدم بفعل "الوعي الإنساني" القائم على ملكة "التفكير السليم" وهي لبّ رسالة الإسلام ومحورها.
لذا لا ينبغي للبشرية في رقيّها أن تتعدى حدود الله بمعنى عليها ألا تنزل عن المستوى التي وصلت إليه، فالقيَم تتقدم، والنصوص في جميع الكتب الإلهية ظرفية باستثناء النصوص ذات البعد القيَمي بالأخص (الإنجيل/ وبعض نصوص القرآن). في ظل تقدم القيَم (المتحركة) وظرفية النصوص (الساكنة) تحصل الفجوة وتتباعد، فالتمسك بالنص الظرفي يجعلنا في دائرة التعدي على حدود الله، لذا ينبغي مواكبة هذا التقدم في القيَم. وعدم النزول عن الحدّ الذي وصلت إليه.

ومن ينظر في النصوص ككل، يرى أن العنف أكثر حضورًا في التوراة، ويكاد يكون معدمًا في الإنجيل، أما في القرآن المجيد فإن نصوصه تمزج العنف باللطف لكن ترجّح كفة اللطف. "وأن تعفوا هو خير لكم" وغيرها الكثير من الآيات.

نلاحظ أن القرآن الكريم في العهد المكي سلك خطة اللطف (اللاعنف) لكن في العهد المدني (حيث السلطة) زاوج ما بين العنف/ اللطف مع ترجيح الأخيرة تمامًا كالتوراة العهد القديم -العنف- والإنجيل -اللطف. فالقرآن الكريم رجع خطوات إلى الخلف (التوراة- شريعة موسى (العين بالعين) لأخذ الدروس والعبر، تلك الخطوات بهدف التقدم إلى الإمام (القيِم)، لكن ما حصل في ظل غياب الفهم الكلي لرسالة الله تعالى جعل معظم المسلمين يرجعون إلى تلكم الخطوات إلى الخلف لكنهم للأسف بقوا فيها في (التاريخ/ الماضي) وكأنما أصابتهم حالة تكلّس وتجمّد. والسبب في هذا من وجهة نظري هو اختراع الفقهاء مصطلح "النسخ" الذي هو يقضي أن آيات العنف تلغي آيات اللطف في كلا العهدين المكي والمدني، بمعنى أن القرآن صار في النهاية كالتوراة!! وفيما يخص المسيحيين فإن سيطرة فهم الكنسية أكبر من نصوص الإنجيل نفسه. وفي يخص اليهود هو ولعهم بتاريخ الشعب المختار واستحضارهم المستمر للماضي وسلخ سياقات وظروفه. ورفضهم المسيح عيسى عليه السلام الذي جاء بالقيَم.

أخيرًا.. أقول إن العنف بمستوياته في القرآن المجيد أو التوراة إنما هو معالجة لظروف التنزيل، وأن القيَم ليست مطلقة. وأن الرسالة الأخيرة تحض الإنسان على التفكير السليم لتطوير هذه القيَم وأخذ الدروس من التاريخ القديم والمعاصر، وتحثّه على عدم النزول عن مستوى القيَم التي توصّلت إليه.

إن المشكلة الأساسية هي في عدم الفهم الكلي للرسالات، والتطبيقات الناتجة عن هذا الفهم، واختراع مفاهيم تغطي على الفهم السليم كمصطلح "النسخ" عند عموم المسلمين. وسيطرة التاريخ على الفكر اليهودي ورفضهم تعاليم المسيح عليه السلام، وسلطة الكهنوت والكنسية على الفكر المسيحي. أظن بهذا الفهم يمكن تفسير ظاهرة "داعش" وأجدادها وأحفادها وأخواتها في كل الديانات. لذا فليس جديرًا بالمؤمنين انتقاء آيات اللطف وإنكار آيات العنف، أو تجميل نصوص العنف بأدوات التجميل "الرمزية". وعلى القائلين بأن النصوص هي سبب هذه الويلات والحروب والآلام أن ينظروا أكثر، فالنص القرآني من وجهة نظري في النهاية هو أحد المصادر التي ترفد البشرية بالقيَم، إذا ما اتبعنا المنهج المقاصدي على نحو ما ذكرت. وأدعو إليه.

شكرًا




بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

الأرض المقدسة




يصارع المسلمون واليهود ومن ورائهم المسيحيون حول أحقية الأرض المقدسة. وبعيدًا عن التراث وتقيّدًا بالنصوص "الإلهية" فاليهود يعتقدون بأحقية الأرض المقدسة حصرًا لهم. وهذا فهم مغلوط وقراءة انتقائية إذ أنهم يأخذون بنص: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات". (التكوين: 15: 18). ويغفلون عن نص غاية في الأهمية وهو: "وَيَكُونُ أَنَّكُمْ تَقْسِمُونَهَا بِالْقُرْعَةِ لَكُمْ وَلِلْغُرَبَاءِ الْمُتَغَرِّبِينَ فِي وَسْطِكُمُ الَّذِينَ يَلِدُونَ بَنِينَ فِي وَسْطِكُمْ، فَيَكُونُونَ لَكُمْ كَالْوَطَنِيِّينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. يُقَاسِمُونَكُمُ الْمِيرَاثَ فِي وَسْطِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ.
وَيَكُونُ أَنَّهُ فِي السِّبْطِ الَّذِي فِيهِ يَتَغَرَّبُ غَرِيبٌ هُنَاكَ تُعْطُونَهُ مِيرَاثَهُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ".
(حزقيال: 47: 22-24).
فالقراءة الكلية وجمعًا بين النصوص نجد أن النص الأول يعطي لهم الأحقية،والنص الثاني ينفي عنهم الحصرية ويدعو إلى المشاركة مع "الغرباء". لذا فتسقط مقولة حصرية الأرض المقدسة وخصوصيتها لليهود.


فمعظم اليهود تمامًا كمعظم المسلمين لديهم إشكالية التراث. وإشكالية الإنتقائية لو رجعوا إلى النص "الإلهي"!!

أما المسلمون فيعتقد معظمهم أن الأرض المقدسة كانت حقًا لليهود لما كانوا ملتزمين بالميثاق. أما وقد نكثوا العهود ونقضوا العقود فقد خسروا هذا الامتياز. فلا حق لهم اليوم في الأرض المقدسة. "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ". المائدة: 21.

ومهما يكن فإن هذا الفهم غير سليم من وجهة نظري بل هو أيضًا انتقائية، إذ القرآن الكريم يقرر أن:
الأرض يرثها الصديقون والودعاء والصالحون.
"قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّـهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ الأعراف: 128.
"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ". الأنبياء: 105.
فالأرض لله تعالى والعاقبة للصالحون والصلاح لا يتوقف على الأيمان بل يعتمد أكثر على الأعمال الإنسانية والقيَم والعدالة.
لذا فالقرآن تمامًا يتقاطع مع النص التوراتي إذ ينفي حصرية الأرض لأي طرف على أساس ديني. بل الأرض هي لله تعالى ويورثها عباده "الصالحين".

أما بخصوص المسيحيين فإنهم يعانون من ذات الإشكاليات: سلطة التراث على النص "الإلهي" وإشكالية القراءة الانتقائية. فإن المسيح عليه السلام جاء بتعاليم روحية وقيَمية. ولم يُعظّم المكان بل الإنسان. فالأرض بالأساس صالحة. والإنسان هو من يزيدها صلاحًا أو يفسدها. فغاية ومقصد تعاليم المسيح عليه السلام هو الإنسان وليس المكان. وهذا يتفق تمامًا مع المنهج المقاصدي في القرآن المجيد.

لذا فإن أحد أهم جذور الصراع في فلسطين ذو طابع ديني بالإضافة إلى مطامع السيطرة على المنطقة، فإذا ما تم حلّ المعضلة في التفكير الديني عند أتباع الديانات "التوحيدية" فإن ذلك من شأنه التوجه نحو التنافس على الصلاح، وحبّ الإنسان لا على الفساد وتدمير الإنسان.



بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

التاريخ النضالي لا يُبرّر الخطايا



التاريخ النضالي لا يُبرّر الخطايا
فضلُ أحدهم في معركة فاصلة مع عدو لا يُبرّر له ارتكاب الخطايا أو المسامحة وعدم المحاسبة، ومن أبرز التشريعات لتبرير هذا النوع من الأغلوطات هو رواية عدّوها في الصحيح!! وهي "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم". في حق الصحابي "حاطب بن أبي بلتعة" وقد كتب رسالة سرّية إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ فكان الردّ: لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرأ ملصقًا في قريش قال سفيان كان حليفًا لهم ولم يكن من أنفسها أكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: "إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"!!
فأنزل الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء". الممتحنة: 1.


لستُ أرى هذه الرواية إلا تبريرًا لخطايا لمن تمّ تصنيفهم بـ "الرعيل الأول" أو "ذوي التاريخ النضالي"، وكم عانيتُ سواء في المساجد أو الجامعات وما زلتُ من هذه النوعيات، وتعليقًا على الرواية فإن الصحابي حاطب بن أبي بلتعة وإن كانت خطته لم تتحقق كونها اكتشفت سريعًا، إلا أن فعله يعدّ خيانةً وتبريرها لا يكفي.
لكن انتبهوا...

ما تقوّلوه على الرسول النبي عليه الصلاة والسلام:
"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم".
وانظر إلى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء". الممتحنة: 1.

وبعد ذلك انظر إلى قول شرّاح الرواية: قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة! وإلا فإن توجّه على أحد منهم حدّ أو غيره أقيم عليه في الدنيا. ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحدّ، وأقامه عمر على بعضهم. قال: وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مسطحًا الحدّ وكان بدريًا.

أقول صحيح إقامة الحدّ فيما لو أصابه أحد من الصحابة، لكن ليس في الرواية ما يفيد أن (الغفران لهم في الآخرة). لأن ما فعله الصحابي حاطب بن أبي بلتعة يستوجب العقوبة ولو مخففة، ولو لم تحصل المفسدة لاكتشافها، وأسوأ ما في الرواية هو التأسيس لتبريرات لذوي التاريخ النضالي، والأسوأ هو عدم التفريق بين المعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى والمعاصي المتعلقة بحقوق العباد، وهذه لا يغفرها الله تعالى إلا بعد غفران المظلومين، فحقّ الله تعالى قائم على المسامحة وحقوق العباد قائمة على المشاححة.

فما تورنَه من تخبّط في الحركات "الإسلامية" ناتج من أزمة فهم، وقائم على مصالح ذاتية فوق اعتبار أيّ قيَم.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدِ نصيبٌ

انتكاسة الإنسانية (6)



انتكاسة الإنسانية (6)
من الانتكاسات سوء الإدارة،خصوصًافي المجتمع العربي هناك أزمة إدارة في كل الدوائر. تبدأ من الأسرة إلى المدرسة والمسجد والنادي ومراكز الشرطة والمحاكم والجامعات ومؤسسات الدولة حتى الرئاسة.

من هذه المشاكل:


1- المجتمع الذكوري: الذي يجعل للذكر أفضلية على الأنثى لمجرّد أنه ذكر.
2- المجتمع الأبوي: الذي يجعل للسنّ والعمر سلطة أكبر من الأصغر لمجرّد أنه أكبر سنًّا.
3- المجتمع الصامت: الذي يرى الأخطاء والخطايا فيسكت عنها حفاظًا على مكانته.
4- المجتمع المقلد: الذي يقلّد الأساليب ولا يكتفي بهذا بل يقتل الإبداع ويعزل المبدعين.
5- المجتمع الحزبي: الذي ينحاز إلى حزبه في كل حال وإن كان مخطئًا. ومثله المجتمع القبلي.

هذه هي حقيقة المجتمع العربي بشكل عامّ، ولا مخرج إلا إذا قدّمنا الخبرة على السنّ والجندر، وقدّمنا الحق على القبيلة والحزب، وشجّعنا الإبداع ونبذنا التقليد. هذه الإشكاليات أراها في فلسطين ولا أظنها تغيب عن أي بلد عربي آخر.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ

رسالة الرسول النبي عالمية؟!!!



رسالة الرسول النبي عالمية؟!!!
في ذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلّم

على المسلمين أن يبرهنوا على أنهم أتباع لرسالة الإسلام، وذلك من خلال فهمهم لطبيعة ومقصد الرسالة ابتداءً. فهل مقصد الرسالة هو إفحام غير المسلمين وإثبات سوء معتقدهم؟!!!


على المسلمين أن يدركوا أن الهدف الأساسي للإسلام هو إقامة الميزان والقسط وهي القيَم التي نفتقدها في أبسط الدوائر والعلاقات ابتداءً من القبيلة إلى الحزبية إلى الوظيفة والوجاهة.
قال تعالى:
"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ". الحديد: 25.

صحيح أن من أهداف الرسالة تأكيد الخالقية، واستحقاقه للتعظيم كما قال تعالى:

الهدف :"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ". الأنبياء: 25.

لكن مع أهمية هذا الهدف إلا أن معظم المسلمين قدّموا هذا الهدف على هدف تحقيق المقاصد والقيّم الإنسانية. لذا أرى أن المنهج المقاصدي المبني على القيَم له الأولويةّ.
قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ". آل عمران: 110.
نلاحظ تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، لأن سلوك المؤمن الحق سيجعل منه محلّ قدوة واقثفاء. ونحن نشهد آثاره حينما نرى مسلمي الشرق الذي دخلوا في الإسلام لأخلاق أسلافنا، وما نراه في جهة الغرب حيث أسبانيا (الأندلس).
وبهذا المنهج تكون رسالة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام عالمية: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ". الأنبياء: 107.

فبالمقاصد والقيَم تكون الرسالة عالمية : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ". سبأ: 28.

بوركتم جميعًا
ولكلّ مجتهدٍ نصيبٌ